عالم دين بحريني : الوحدة التي دعا اليها الرسول (ص) مثلّت مشروعا شاملا لتاسيس امة عصية على اعدائها

عالم دين بحريني : الوحدة التي دعا اليها الرسول (ص) مثلّت مشروعا شاملا لتاسيس امة عصية على اعدائها

قال رئیس مجلس اداره الاوقاف الجعفرية في البحرین الشیخ محسن عبد الحسین خلف آل عصفور : إن وحدة الأمة الإسلامية التي سعى لتحقيقها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم منذ فجر انطلاق دعوته الإلهية المباركة، لم تكن شعارًا دعائيًا فارغًا، بل مثّلت مشروعًا حضاريًا شاملًا تجسّد في المجتمع المسلم المدني الأول، وانطلق منه إلى تأسيس أمة متماسكة أبيّة عصيّة على أعدائها، سادت الدنيا بعلمها وأخلاقها وقيمها ومبادئها المثالية، وبنت أعظم حضارة عرفتها البشرية، ومهددت لكل ما ننعم به اليوم من خير ورخاء واستقرار وسؤدد ونعيم ورفاهية وتقدم.


ولفت الشيخ ال عصفور في مقال له خلال الندوة الافتراضية للمؤتمر الدولي الـ 39 للوحدة الاسلامية التي عقدت برعاية المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، الى ان "النبي الاكرم (ص) اكد على المسلمين بأن هويتهم الإسلامية ليست مجرد انتماء عرقي أو جغرافي، بل هوية حضارية قائمة على الإيمان بالله تعالى، والارتباط به، والعدل بين الناس، والإحسان إلى الخلق، ونبذ العصبيات القبلية".

وافادت "تنــا" ان مقال رئيس مجلس ادارة الاوقاف الجعفرية بالبحرين خلال هذه الندوة جاء على الشكل التالي : -

بسم الله الرحمن الرحيم/
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، محمد المصطفى الأمين، خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته/
في رحاب المؤتمر التاسع والثلاثين للوحدة الإسلامية المبارك، الذي يُعقد هذا العام كالأعوام السابقة على أرض الحضارة والعزة والإباء والصمود، أرض الجمهورية الإسلامية في إيران، بالتزامن مع مرور 1500 سنة على الذكرى العطرة لميلاد نبي الرحمة، خاتم المرسلين، القائد الأعظم للأمة الإسلامية، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

نستلهم دروس تحصين الأمة الإسلامية من كل ما يتهددها، ويكفل لها الصمود في وجه من يريد انتهاك حُرُمها وحُرمتها، والاستبسال في مقارعة كل من يتآمر عليها ويريد بها سوءًا، خاصة في وقتنا الراهن الذي اجتمعت فيه كل قوى الكفر والإلحاد والشر العالمي لحرب الصحوة الإسلامية، ورافضي الهيمنة الإمبريالية الاستعمارية العالمية على الشعوب واستضعافهم ونهب خيراتهم ومقدراتهم.

تلك القوة الشريرة الغاشمة التي تعمل ليل نهار على التربص والترصد للدول الإسلامية الصاعدة، وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية في إيران واليمن الباسل الأبي.

مفهوم الوحدة والأمة الإسلامية الواحدة
قال سبحانه وتعالى : [واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقو]-  إن وحدة الأمة الإسلامية التي سعى لتحقيقها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم منذ فجر انطلاق دعوته الإلهية المباركة، لم تكن شعارًا دعائيًا فارغًا، بل مثّلت مشروعًا حضاريًا شاملًا تجسّد في المجتمع المسلم المدني الأول، وانطلق منه إلى تأسيس أمة متماسكة أبيّة عصيّة على أعدائها، سادت الدنيا بعلمها وأخلاقها وقيمها ومبادئها المثالية، وبنت أعظم حضارة عرفتها البشرية، ومهددت لكل ما ننعم به اليوم من خير ورخاء واستقرار وسؤدد ونعيم ورفاهية وتقدم.

نعم، إن وحدة الأمة الإسلامية الحقيقية المعطاء والخلاقة، تكمن في الاندماج والانصهار في أهداف الرسالة الإسلامية الخاتمة النبيلة، وقيمها الإنسانية المثالية الراقية التي جاءت بها، وفي تلاحم أتباعها وتعاضد أفرادها في اليسر والعسر؛ بما يجعل من كيانها كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

مقومات الصمود والوقوف في وجه الاستكبار العالمي
 قال سبحانه وتعالى: " [وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]، لقد ركّز الإسلام على أهمية الالتزام بالحق والثبات والصمود عليه، والتحلي بالقيم الإسلامية والمبادئ الأخلاقية السامية والمثل العليا، والاتصاف بصفات الشهامة والإباء والنجدة والحمية والغيرة، وشجاعة الموقف وقوة الإرادة في مقارعة الظلم والاستكبار والبغي والفساد، والاعتماد والتوكل على الله أولًا وآخيرًا.

ويرى أن ذلك مسؤولية شرعية وأخلاقية تقع على عاتق كل مسلم، ولا يقتصر الصمود المطلوب على الثبات الجسدي، بل يشمل الصبر على صنوف الأذى، وتحمل تبعات وإرهاصات الوقوف في وجه القوة الغاشمة الشريرة الظالمة، وعدم الانجراف عن خط ثوابت العقيدة والقيم، مهما كانت الظروف، ومهما كان حجم الضغوط والتضحيات.

دور نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم في تشكيل هوية الأمة الإسلامية الموحدة
لقد كان لشخصية نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أثر بالغ في بناء هوية الأمة الإسلامية، إذ بدأ بصياغة وعي جمعي جديد، أزال كل رواسب الجهل والتخلف والانحطاط والتناحر بين القبائل والقوميات المتباعدة في زمن الجاهلية، وجعل منها أمة واحدة متماسكة، متآخية، متآلفة، منسجمة، تتسابق إلى العلم والمعرفة، والعمل بأحكام الإسلام وشريعته ومقاصده النبيلة، والدعوة إليه.

وعرّفهم أن هويتهم الإسلامية ليست مجرد انتماء عرقي أو جغرافي، بل هوية حضارية قائمة على الإيمان بالله تعالى، والارتباط به، والعدل بين الناس، والإحسان إلى الخلق، ونبذ العصبيات القبلية؛ واكد (صلوات الله عليه واله)، أن معيار الكرامة والشرف والقوة، هو التقوى والاستقامة والأخوة الإيمانية، لا الأصل العرقي والقبلي أو اللون أو اللغة.

هوية الأمة الإسلامية وتحديات وحدة الأمة في العصر الحاضر
تواجه الأمة الإسلامية اليوم تحديات جسيمة تهدد وحدتها وهويتها الجامعة، ومن أخطر هذه التحديات تصاعد إذكاء نار الفرقة والفتنة بين المسلمين، وتأجيج النزاعات الطائفية والعرقية والمذهبية، وانتشار حملات التشويه والتشويش، والعولمة الثقافية المسمومة، بتخطيط وتدبير من قوى الشر والاستكبار العالمي في الخفاء والعلن.

وهذه التحديات تتطلب من جميع المسلمين أن يرسخوا مفهوم الوحدة الإيمانية، ومنظومة القيم والمبادئ المثالية التي جاء بها نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في واقعهم وفي سلوكهم وأخلاقهم مع بعضهم البعض، ويتحصنوا بها في وجه كل أسباب الفرقة والشقاق والاختلاف، ويقفزوا بها على كل الخلافات الهامشية والمذهبية الضيقة، ويتخذوها درعًا للصمود أمام كل رياح الفرقة والاختلاف والتباعد والتناحر.

وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نؤكد على دعوة جميع المسلمين، باختلاف مذاهبهم وقومياتهم، لتوحيد مواقفهم وصفوفهم وجهودهم، بما فيه تحقيق المصالح العليا للمسلمين، وتحصين الأمة الإسلامية من شرور وبلايا ومصائب مكائد أعدائهم المتربصين بهم.

ونسأل الله عز وجل أن يجمع شملهم ومواقفهم وكلمتهم بعد شتاتهم، ويعيد صحوتهم بعد سباتهم، وينجيهم من عقاب ما أصابهم من الوهن والذل والمهانة والتخاذل والانكفاء عن نصرة مظلومين بعضهم البعض من ظلم أعدائهم، وأن يوفقهم لاسترجاع هويتهم الإسلامية في الجامعة، ويصون ما تبقى لهم من غيرة وحمية وكرامة إنسانية؛ إنه سميع الدعاء، قريب مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.