المفتي السابق لدولة البوسنة والهرسك : الاسلام صاغ امة عابرة للحدود والقوميات في جسد واحد وروح واحدة
قال مفتي دولة البوسنة والهرسك السابق "الشيخ مصطفي إبراهيم تيسيرتش" : ان الإسلام صاغ أمة عابرة للحدود والقوميات، جمعت العربية والفارسية والتركية والكردية والبوسنية والماليزية والأفريقية والآسيوية؛ في جسد واحد وروح واحدة.
وفي مقال له خلال الندوة الافتراضية للمؤتمر الدولي الـ 39 للوحدة الاسلامية، لفت الشيخ تيسيرتش الى، ان "هوية هذه الأمة ليست هوية عِرق أو أرض، وإنما هي هوية الرسالة والإيمان، وهي هوية القرآن الذي جمعنا على كلمة التوحيد، وهي هوية السيرة النبوية التي أخرجت الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، وهي هوية قيم العدل والرحمة والكرامة والتكافل والعلم والتعاون على البر والتقوى".
وفيما يلي نص هذا المقال : -
بسم الله الرحمن الرحيم/
الحمد لله الذي جمعنا في رحاب ذكرى ميلاد نبي الرحمة محمد صلى الله عليه واله سلم، وجعل من هذه المناسبة المباركة منبرًا للوحدة والتلاقي. والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أصحاب المعالي والسماحة والفضيلة، أيها الإخوة والأخوات!
اسمحوا لي في البدء أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإلى المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية على تنظيمهم لهذا المؤتمر الدولي المبارك، الذي أصبح منذ عقود منارة علمية وروحية تجمع علماء الأمة ومفكريها، وتفتح لهم أبواب الحوار والتعارف والتعاون على البر والتقوى.
إن انعقاد المؤتمر التاسع والثلاثين للوحدة الإسلامية في طهران، في الذكرى العطرة لميلاد النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم بعد 1500 عام، إنما هو دليل صادق على
أن الأمة، مهما عصفت بها التحديات، فإنها قادرة أن تعود إلى أصلها الواحد، إلى هويتها الجامعة، إلى رسالتها الخالدة.
وشكرًا للقائمين على هذا الجهد العظيم، شكرًا لكل من مدّ قلمًا أو كلمة أو فكرة في سبيل لمّ شمل الأمة، وجمع كلمتها، ونصرة وحدتها.
وأسأل الله أن يجعل هذا المؤتمر خطوة مباركة في طريق بناء الأمة القوية، العادلة، والمنتصرة بمشيئة الله.
أيها الإخوة والأخوات، أيها العلماء والمفكرون!
إن انعقاد مؤتمرنا في هذه المناسبة العظيمة، ذكرى مرور 1500 عام على ميلاد النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم، ليس مجرد احتفال بالتاريخ، بل هو استدعاء للرسالة التي ما زالت حيّة؛ رسالة الرحمة والهداية والوحدة.
إن ميلاده الشريف لم تكن فقط ولادة رجل عظيم، بل كانت ولادة أمة، وولادة هوية جديدة للإنسانية؛ هوية الأمة الإسلامية التي جعلها الله خير أمة أُخرجت للناس.
أولًا : هوية الأمة الإسلامية : -
هوية الأمة ليست هوية عِرق أو أرض، وإنما هي هوية الرسالة والإيمان، وهي هوية القرآن الذي جمعنا على كلمة التوحيد، وهي هوية السيرة النبوية التي أخرجت الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، وهي هوية قيم العدل والرحمة والكرامة والتكافل والعلم والتعاون على البر والتقوى.
بهذه الهوية صاغ الإسلام أمة عابرة للحدود والقوميات، جمعت العربية والفارسية والتركية والكردية والبوسنية والماليزية والأفريقية والآسيوية في جسد واحد وروح واحدة.
ثانيًا : تحديات الوحدة في عصرنا : -
لكن هذه الهوية التي وحدت القلوب عبر القرون، تواجه اليوم تحديات جسامة، مثل التجزئة السياسية، حدود مرسومة بالدماء، ونزاعات داخلية تمزق جسد الأمة، الهيمنة الثقافية والفكرية، تيارات العولمة التي تحاول سلخ الأمة من قيمها الأصلية، الفتن المذهبية والطائفية التي تُستغل لإشعال العداء بين المسلمين، بدل أن يكون اختلافهم رحمة وتنوعًا، التأخر العلمي والتكنولوجي في وقت تتسابق فيه الأمم على الريادة.
هذه التحديات ليست قدرًا محتومًا، لكنها دعوة لنا أن نستعيد البوصلة بصورة الوحدة على أساس الهوية الإسلامية.
ثالثًا : سبيل الوحدة والنهضة : -
إن تجاوز هذه التحديات يبدأ من إحياء مرجعية القرآن والسنة في بناء مشروع حضاري مشترك، وترسيخ ثقافة الحوار والتقريب بين المذاهب والمدارس الفكرية، والاستثمار في العلم والتعليم بوصفهما طريق التحرر والقوة، وتعزيز روح الأخوة الإسلامية بحيث يشعر المسلم في أقصى الشرق أنه مسؤول عن أخيه في أقصى الغرب.
أيها الإخوة الكرام! إن النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم، الذي نحتفل اليوم بميلاده بعد 1500 عام، ما زال ينادينا بكلمته الجامعة : [المسلم أخو المسلم]، وما زال يذكرنا بأن "الأمة جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
لنحتفل ونجعل من هذه الذكرى العظيمة، نقطة انطلاق جديدة لوحدة الأمة الإسلامية، لا كشعار عاطفي، بل كمشروع عملي، مشروع هوية راسخة، وعلم متجدد، وعدالة شاملة، ورحمة تتسع للعالمين؛ ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر؛ آمين يا رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
