حديث التقريب .. وثيقة تقريبية هامة بين النجف والازهر

حديث التقريب .. وثيقة تقريبية هامة بين النجف والازهر

وثيقة تقريبية هامة بين النجف والازهر

الشيخ عبدالكريم بن محمد رضا بن محمد حسن بن محمد علي النجفي ثم الزنجاني 1304  ــ 1388هجرية /  1887 ــ 1968م . نَسَبَته إلى زنجان  فذلك لأنه ولد فيها وترعرع، وإن نسبته إلى النجف فلأن جدّه هاجر من النجف إلى زنجان، وهو نفسه هاجر من زنجان إلى النجف، والأفضل أن ننسبه إلى دائرة الحضارة الإسلامية الواحدة التي كانت حواضرها إلى زمن قريب مأوى لكل العلماء على اختلاف انتماءاتهم.

بعد أن أتمّ مقدمات دراسته في مسقط رأسه هاجر إلى طهران.. ويبدو أن هذه الهجرة إلى العاصمة هي التي فتحت أمام عبدالكريم الشاب آفاق ما يجري في العالم الإسلامي من أحداث، وجعلته يتفاعل بها.

ويظهر أن طموحه العلمي دفعه أن يهاجر وهو في الثانية والعشرين من عمره إلى النجف في العراق، لأن الدراسة فيها كانت مطمح أنظار كل الذين يريدون بلوغ درجة الاجتهاد آنئذاك.

ولم يكتف الشاب الزنجاني بالدراسات الفقهية والأصولية بل اتجه إلى دراسة الفلسفة أيضًا وتعمّق فيها، وعلى الرغم من نشأته التركية الفارسية (لغة موطنه الأول زنجان) أجاد العربية وكتب فيها ما يربو على سبعين مؤلفًا، بل وأصبح أيضًا من الخطباء بهذه اللغة، تشهد له خطبه في القاهرة ودمشق أمام العلماء والأدباء وكبار الشخصيات.

 

مراسلاته مع الشخصيات العلمية والسياسية

ثمة  مراسلات عديدة في ملف الشيخ الزنجاني بينه وبين الشيخ محمد مصطفى المراغي إمام الأزهر الشريف.

نختار واحدة منها، ففيها فكرة يطرحها المراغي بشأن تشكيل مجلس أعلى للمسلمين عامة بمختلف مذاهبم، وهي فكرة لا تزال حيّة تنتظر التنفيذ، وجواب الشيخ الزنجاني عنها:

حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل السيّد عبدالكريم الزنجاني

العراق ــ النجف الأشرف

حضرة السيّد العظيم والأستاذ الجليل

السلام عليكم ورحمة الله

وبعد، فإنِّي أعترف بتقصير لاينفع معه العذر، ولكنّ الأمل في ساحتكم الواسعة يخفّف الألم من الشعور بهذا التقصير.

أمامي خطابكم المؤرّخ 8/9/1356 وأنا معك بقلبي كلّه، أشعر كما تشعر بحال المسلمين، وأظنٌّ أنَّ خطابك يشير إلى حوادث الأقاليم الشمالية في الهند بين الشيعة وأهل السنّة، وقد كان ذلك في العام الماضي قبل سفر البعثة الأزهرية، وذلك أني بحثت وكلّفت بعض من يتابع قراءة الجرائد الهندية، فلم أعثر على جديد.

لعلّك سمعت خطبتي يوم عيد النحر في الراديو أو قرأتها في الجرائد، ولعلّك تقرأ من وقت لآخر شيئًا عمّا أحاوله من الوحدة بين المسلمين، وفي ذلك كلّه ترانا على رأي واحد، ومبدأ واحد هو الوحدة الإسلامية.

وأنّي أعرض عليك الآن رأيًا، وهو أن يوجد مجلس إسلامي أعلى للنظر في أحوال المسلمين: أمراضهم وعللهم، وما ينفع في علاجهم، ويوحّد تعليمهم وثقافتهم، ويقرّب بين طوائفهم ومذاهبهم، وأن يمثِّل جميع المسلمين في هذا المجلس تمثيلًا حكوميًا أو تمثيل غير حكومي، وإنّي أعتقد أنَّ مثل هذا المجلس سيكون له من الشأن ما يُخفّف ما تشعر به أنت، وأشعر به أنا.

أرجو عرض هذا الرأي على الإخوان، وإفادتي ما ترون، وبتفصيل ما ترون، والجهة التي ترونها صالحة لهذا، هل هي مصر أو بلد آخر، ومتى وافقتم على هذا الرأي فأرجو أخذ رأي أهل العراق غير الشيعة.

والسلام على جميع الإخوان ورحمة الله

محمد مصطفى المراغي

26 ذو الحجة 1356 هــ / 26 فبراير 1935م
 

رسالة الشيخ الزنجاني جوابًا على رسالة شيخ الأزهر السابقة:

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر/القاهرة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد، فقد تسلّمت كتابكم الكريم المؤرّخ 26 ذو الحجّة 1356، فلمحت لي بارقة الأمل في أفق الوجود طليعة تحقيق الأماني التي يتطّلع إليها العالم الإسلامي.

وإنّي وإن كنت أعلم أنَّ فكرة الوحدة الإسلامية من الأفكار التي تجول في عرق كلِّ عراقي، وأنّه ليس هناك أيِّ تردّد، بل إنّما هناك نفوس متوثّبة وهمم ماضية في تحقيقها وإظهارها إلى الوجود، ولكن لكشف الحقيقة عرضت رأيكم السامي على أعلام علماء الشيعة وأشراف النجف الأشرف، وتداولت مع علماء العاصمة وزعمائها وأشرافها، وكبار رجال الحكومة، ورؤوس أهل الحلّ والعقد في العراق من إخواننا أهل السنّة والشيعة، وربما قرأتم في الصحف العراقية كلماتي التي أقنعتُ بها الجماهير المحتشدة في جامع السيّد سلطان علي ببغداد من أعلام علماء أهل السنّة والشيعة، ورجال الحلّ والعقد، فكلُّ أعطاه حقّه من الترحيب، وأهَّله للبركة، وطلب المبادرة إلى الحركة. فالعراق بأجمعه خاضع لمفعول هذه الفكرة السامية في جوهرها، ولكن هل الأقطار الإسلامية الأخرى لهم علم بهذا الرأي؟ إذ يجب أن يمثّل في هذا المجلس جميع عناصر المسلمين:

وإنّي أعتقد أنَّ الجمعيات الدينية في جميع الأقطار الإسلامية لا تعارض هذا المشروع، على أنّي أحذّر من العقبات السياسية، وما قد تُدلي به الحكومات الاستعمارية من النظريات السياسية والعراقيل في هذا المضمار.

وأمّا رأيي في هذا الموضوع فإنّي أرى أشياء تلزم للإعداد. وما ذاك إلا من تغلغلي في الإصلاح الذي أتوخاه وأصطفيه، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه:

الأوّل: أنَّ التمثيل في المجلس الأعلى يجب أن يكون غير حكومي; لأنَّ جمهور الشيعة يرون أنَّ كلّ أمر ديني يلزمه أن يُتقرّب به إلى الله تعالى، ويُطلب امتثالًا لأمره تعالى، ولذلك ترى العلماء والأتقياء يجتنبون الوظائف الحكومية، والرواتب; لأنَّهم يرون أنَّ ذلك مبعد عن التوفيق الإلهي.

الثاني: أنَّ تعيين بلد الانعقاد ممّا يتريّث فيه; لأنَّ اختيار القطر والبلد ليس بالأمر الهيّن، ولذا يجب نبذ كلّ فكرة عاطفية، وإنّما يشترط في بلد الانعقاد أن يكون في قطر متمتّع بسلطة أهلية، وبعيد عن كلّ نفوذ سياسي أجنبي. وعليه فأيَّ قطر من الأقطار العربية تتمتّع بحريّة محلية تكون نتيجة التمتّع السياسي المستقلّ فهو المعيَّن لأن يُعقد فيه المجلس الإسلامي الأعلى.

الثالث: المبادرة إلى تشكيل لجنة تحضيرية لوضع المنهاج والموادّ التي سيبحث عنها المجلس الإسلامي العامّ، وإعلانها على المسلمين كافّة; لكي لا يبقى مجال لخصوم الدين والجامدين والرجعيين وأعوان المستعمرين أن يختلقوا المقاصد غير الشريفة للمجلس الإسلامي الأعلى، ليصيبوا هدفهم من إثارة نفوس الدهماء عليه، وقتله قبل تكوّنه.

الرابع: الإيعاز إلى الكتّاب والمؤلّفين في تاريخ الطوائف والمذاهب الإسلامية ومسائل الاعتقادات أن تكون مقرونة بالمجاملة ورعاية الآداب، وأن يكون الجدل بالتي هي أحسن، وبعبارات غير جارحة للعواطف; لكي لا تثير التعصّب الذي يجب تركه في مقام الإرشاد والهداية وتوحيد الكلمة.

والسلام عليكم وعلى جميع الإخوان ورحمة الله

عبدالكريم الزنجاني

8/2/1357 النجف الأشرف

 

                                             المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

                                                               الشؤون الدولية