حديث التقريب.. السيد مصطفى جمال الدين يخاطب الأمة الإسلامية

حديث التقريب.. السيد مصطفى جمال الدين يخاطب الأمة الإسلامية

"مصطفى جمال الدين" الأديب والشاعر والباحث العراقي، توفي في منفاه يوم 23/10/1986 وهذه أيام ذكرى ارتحاله؛ له قصيدة يخاطب بها الأمة بمقاطعها المختلفة وبأبياتها التي تزيد على الثمانين، وهذه القصيدة تشكل المنظومة الشعورية لأتباع آل البيت (ع) في العراق، وتعبّر عن توجّه الشيعة عامة والنجف بشكل خاص إلى «الرسالية» ورفضهم للطائفية.


أنشد هذه القصيدة بمناسبة الانتفاضة الشعبانية في العراق وما تعرض له الشعب العراقي من انتقام نظام صدام البائد. 

مطلع القصيدة فيه دعوة إلى عودة إشعاع النبوة في دم الأمة، وبهذا الإشعاع ستعود إلى غدها.. أي إلى استئناف مسيرتها الحضارية التي تتناسب مع الغد، أي مع الحاضر والمستقبل :-
عُودي لأمسكِ ينطلق منكِ الغــــــــــدُ/ ما شــــعَّ فــي دمــكِ النبيُّ محمــــــــــدُ

وبنظرة حضارية يرى أن الثقافة الإسلامية فيها كل العناصر التي تضخّ دمًا جديدًا في عروق الأمة متى ما اعتراها خريف، فيعود عودها أملدًا (غضًا)، ذلك لأن جذورها ممتدة إلى أعماق السنين، ورؤيتها نحو النجوم (أي نحو السماء ونحو الكمال المطلق)؛ فالقرآن والسنّة فيهما من عناصر الإحياء ما يعيد إلى الوجوه نضارتها وإلى العقول نورها، وإلى القلوب توددها وحبّها وعواطفها.

وكما أن الإسلام حوّل صمّ الجنادل السود (كناية عن القلوب غير المهتدية) إلى مقصد الكواكب المضيئة، وكما حوّل ضحايا الجاهلية إلى حِمم (طاقات ضخمة) وليلهم البهيم إلى فرقد (مضيء)، كذلك يستطيع اليوم أن يحيي هذه الأمة. يقول :-
يا أمة يبِسَ الزمانُ، وعودُها/ ريّانُ من نَبعِ النبوّةِ أملَدُ
تَسري بأعماقِ السنينِ جذورُهُ/ وتشدُّ أذرعَهُ النجومُ فيصعَدُ
ما ارتاعَ من عسف الــمُحول ولا انثنى/ بيد العواصفِ فرعُهُ المتأوِّدُ
ومذِ اشتكت تلك الجنائنُ حولهُ/ممّا يعيثُ بها الخريفُ الأجرَدُ
ألقى رواءَ الهدي بين غصونها/فأفاقَ حتى الهامِدُ المتقصِّدُ
وسرت بها بعدَ الذبولِ غضارةُ الــــ/ــقرآنِ، تُخصبُ روحَها، وتُوَرّدُوتَطلّعتُ فإذا بسُنَّةْ أحمدٍ/سحُبٌ يفيضُ بها النعيمُ ويرفُدُ
وإذا النُبوّةُ في الوجوه نضارةٌ/والعقلِ نور.. والقلوبِ توَدُّدُ
وإذا بصرعى الجاهليةِ في الوغى/حُمَمٌ.. وفي ليل المتيهَةِ فرقد
وإذا بــــــــــمكّــــــــةَ وهــــــــــــــي صـمُّ جنادلٍ /ســــــــــودِ، لمؤتلـقِ الكواكبِ مقصدُ

والمقطع الآخر من القصيدة يبدأه بقوله:عُودي لدربكِ لا يصدّنك أنّــه / عَسِرٌ.. ودربُ الآخرين مُعبَّد

وفيه يمارس الشاعر، الضرب على وتر الشعور والهمم لإيقاظها، فالمجدُ مقرون بالتضحية والفكر يحتاج إلى عزيمة لا ترف، وإلى حرارة لا برودة جليد.

ولابدّ أن تستند هذه العودة إلى أصالة، فَطَرقُ باب الآخرين لاستجداء الدواء منهم لا فائدة منه، والجديد يجب أن يُبنى على القديم، ووهجُ الحضارة سيكون أبتر  إذا لم يقم على أرض صلبة وفي قمة منيفة يقول :-
وبأنّ أمسَكِ، من متاعبِ شوطِهِ/هرِمٌ.. ويومَكِ، من صقالِ، أمرَدُ
فالمجدُ لا ترقى إليه أمَّةٌ/لم يُبْنَ فيها بالضحايا مِصعَدُ
والفكرُ لم يقبسهُ يومًا خاطرٌ/تَرِفُ المجسَّةِ، من جليد أبردُ
عودي؛ لأنّ غدًا طرقتِ رتاجَهُ/بابٌ ــ بغير جلالِ أمسكِ ــ مُوصَد
يُبنى الجديدُ على القديمِ، وخيرُ ما/يبقى من النشَبِ الطريفُ الــمُتلِدُ
ويغورُ في النسيان وهجُ حضارةٍ/بتراءَ، لم يَرفع سناها مَحتِدُ
سُنَنُ الحياة: علــــــــــى الرمالِ قلاعُهــــــا/ تهوي، وفـــــــي القِمَمِ المنيفةِ تخلُـــــــــدُ 

وفي المقطع التالي يركز على قدرة القرآن الإحيائية للأمة؛ فهو عامل طراوتها وخشوعها وفتوحها ومعارفها، وتأثيره بالغ حتى في القلوب المتحجّرة، والشعر على قدرة تأثيره لا يبلغ ما بلغه القرآن من التأثير، ويعتب على الأمة أنها أدرات ظهرها للقرآن، وأنها حولته إلى وسيلة تبرّك، وإلى عادة ترددها الشفاه. بينما ينبغي أن يكون وهجًا ينير درب الهداية يقول :-
يا أمّةَ القرآنِ لم يذبُلْ على/شفتيك هذا اللؤلؤُ المتوقّدُ
تندى به، خَضلَ البيان، تلاوةٌ/وينثُّهُ، عَطِرَ الخشوع، تهجّد
وتشِبُّ فيه بالفتوح سريَّةٌ/ويضجُّ منه بالمعارف مسجد
ويكاد حتى الصخر لو رنّت به/آياتُهُ، يصغي لها، ويردّد
هدرت به لغةٌ، كأن حروفها/من طيب ما حَمَلت، شذى متجسّد
تتساءَلُ الكلماتُ، وهي تُقِلّهُ:/من أين هذا الفارسُ المتفرّدُ؟!
للشعر ننسبهُ؟ ونعرف أنّه/بَوْحُ الحياة، وزهوها المتمرّد
لكنّه مهما استطال يظلُ في/حَصَرٍ، أمام شموخه يتنهّد
يا أمةَ القرآن أمسُكِ مُخصبٌ/بوَريفِ ما أعطى ويومك أربَدُ
ما بالُكِ استدبرتِهِ وتركتِهِ/يختالُ بين بنيه وهو مصفَّدُ
يُلقيه في حلَكِ القلوب تبرُكٌ/ويذيبُهُ بين الشفاه تَعوُّدُ
ويكاد يستجدي الهـــــــدى مـــــن فتيــــــــةٍ/  لــــــــــولا توهُّــــــــــجُ نوره لــــــــــــــم يهتدوا  

رضوان الله تعالى على السيد جمال الدين و وفق علماء النجف الكرام وسائر علماء الحوزات العلمية أن يواصلوا نشر هذا الصوت فنحن اليوم بأمس الحاجة إليه.

المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية/
الشؤون الدولية 


اضغط هنا لمشاهدة فلم القصيدة التي القاها السيد مصطفى جمال الدين في المؤتمر الدولي الخامس للوحدة الاسلامية عام 1992 م