حديث التقريب..
مرتضى العسكري رجل حارب البدع عند أهل السنّة وعند الشيعة
ان مشروع السيد العسكري (رض) في التقريب يتلخّص فيما يلي : إنشاء الفرد المسلم إنشاءًا تربويًا وعلميًا صحيحًا، لينفتح على الإسلام بكل أبعاده، ولكي يفكر في شؤون أمته، بمعزل عن الحواجز الطائفية.
ولد العلامة العسكري في جمادى الثانية عام (1332هــ/ 1911م) في مدينة سامراء في العراق، من عائلة علمية هاجرت من المدينة المنورة إلى مدينة ساوة في إيران.
شغف ومنذ صغره بقراءة الكتب، وخصوصا كتب السيرة النبوية وسيرة أهل بيته (ع) وسيرة الأصحاب، وكتب التاريخ وكتب الرحلات، والكتب التي كانت تروي قصة استعمار البلاد الإسلامية وتبين ما يجري من حوادث مهمة على الأمة الإسلامية آنذاك.
وفي عام (1389هــ/ 1968م) اضطر وبسبب ممارسات النظام العراقي البائد للهجرة من العراق إلى لبنان ومنه إلى إيران حيث مارس نشاطه في الدرس والتأليف مع الاضطلاع بمهمة عمادة كلية أصول الدين في طهران وقم، وتوفي عام 2007م.
التوجّه التقريبي للسيد العسكري
إن رجلاً حمل همّ الإسلام والأمة الإسلامية، لابدّ أن يهتمّ بوحدة الأمة الإسلامية، والتقريب بين مذاهبها، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لاستعادة عزتها وكرامتها، ولسدّ الطريق أمام أعدائها؛ من هنا كان للسيد العسكري منهجه التقريب الذي يقوم على محاور عدة :-
- إزالة الأوهام التاريخية التي كانت مثار التفرقة والتنافر بين المسلمين
من تلك دراسة ما شاع في التاريخ بشأن «عبدالله بن سبأ»، وما قيل أن هذا اليهودي أسلم على الظاهر، وهو مصدر ما عند الشيعة من أفكار!! لقد تصدّى السيد لهذه الفرية بروح علميٍة دقيقة، وأثبت أن هذه الشخصية موهومة ومن مختلقات راو كاذب هو سيف بن عمر.
- حول كتاب السيد العسكري الذي ألفه بهذا الشأن تحت عنوان : عبدالله بن سبأ، كتب الدكتور حامد حفني داود، أستاذ الادب العربي في كلية الألسن في القاهرة ونشر في مجلة رسالة الإسلام الصادرة عن كلية أصول الدين ببغداد.
«مضى ثلاثة عشر قرنًا من حياة التاريخ الإسلامي كان "أنصاف العلماء" خلالها يصدرون أحكامهم على الشيعة مشبوبة بعواطفهم وأهوائهم. وكان هذا النهج السقيم سببًا في إحداث هذه الفجوة الواسعة بين الفرق الإسلامية. ومن ثم خسر العلم الشيء الكثير من معارف أعلام هذا الفريق كما خسر الكثير من فرائد آرائهم وثمار قرائحهم.
وقال : والمطلع في هذا الكتاب يستطيع أن يقف في سهولة ويسر على التحقيقات العلمية التي أجراها المؤلف في أحاديث «سيف بن عمر» التي كانت تشغل أدمغة المؤرخين منذ ظهور التاريخ الإسلامي المدوّن إلى وقت قريب منا، قيض الله للتاريخ فيه جهابذة محققين لا يخشون في الله وفي الحق لومة لائم، كان الأستاذ المؤلف في الطليعة منهم، حيث استطاع أن يحمل الباحثين على إعادة النظر فيما جاء به أبو جعفر الطبري في كتابه تاريخ الأمم والملوك، وأن يحملهم على النقد التاريخي لكل ما جاء في هذا الكتاب وغيره من أمهات كتب التاريخ بعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الأحداث التاريخية نظرتهم إلى المقدسات التي لا تقبل التغيير والتبديل.
وللسيد العسكري كتاب آخر في نفس الاتجاه تحت عنوان : خمسون ومائة صحابي مختلق، كتب عنه المؤلف يقول :
«وجدنا العلماء ينعتون سيفًا بأنه وضّاع للحديث متهم بالزندقة، ووجدنا وطن سيف (العراق) يتميز في عصر سيف بانتشار الزندقة فيه، ووجدنا زنادقة عصره ساعين دؤوبين في كل ما يزعزع عقائد المسلمين ويهدم بناء مجتمعهم. فيهم من يضع الأحاديث للتشويش عليهم في دينهم، ومنهم من يصرح ساعة قتله أنه وضع أربعة ألاف حديث يحرم فيها الحلال ويحلل فيها الحرام، ولا نعلم أين ذهبت تلك الأحاديث غير الذي وجدناه عند سيف، وقد درسنا أحاديثه فوجدناه قد وضع آلافًا من الأحاديث، أبرز فيها أورع أصحاب رسول الله سخفاء جناة، والمغموصين في دينهم ذوي حجى وورع ودين! استطاع أن يدخل أساطير خرافية في التاريخ الإسلامي مما شوه بها الحقائق الإسلامية وأثّر بها على عقائد المسلمين وعلى رأي غير المسلمين في الإسلام. اشترك سيف في هذا مع غيره من زنادقة عصره، وامتاز عليهم بأن جلّ ما وضع من حديث فيه تأييد للسلطة القائمة في عصره والحطّ من مناوئيها، وبذلك كسب حمايتها لموضوعاته وكسب رواجها إلى اليوم بالإضافة إلى مجاراته في ما وضع لنفوذ القبلية في عصره وجنوحه هو بنفسه إلى العصبية النزارية، عصبية قبيلة السلطة القائمة مدة خلافة الراشدين والأمويين والعباسيين.
ووجدنا المجتمعات الإسلامية في عصر سيف تتمخض عن أحداث ضخام بتأثير تلك العصبية، فقد أجرت العصبية دماء غزيرة في البلاد الإسلامية حتى قوّضت الخلافة الأموية وأقامت الخلافة العباسية على أنقاضها.
فنتج عن ذلك كله وضع تاريخ كله اختلاق، واختلاق شخصيات إسلامية من صحابة وتابعين ورواة للحديث وقادة للفتوح وشعراء الفخر والحماسة إلى غيرهم ممن لم يكن لهم وجود خارج أساطيره فذهبت تراجمهم وانتشرت أخبارهم في الموسوعات الشهيرة وعشرات من مصادر الدراسات الإسلامية...
وقد نجح في ذلك نجاحًا منقطع النظير. وسواء أكان ذلك منه بدافع الزندقة والعداء للإسلام، أو أن الغفلة وعدم التحرز من الكذب أدّيا به إلى ذلك، مهما كان السبب فإن سيفًا حرّف التاريخ الإسلامي فيما يخص الردة والفتوح والحوادث الواقعة بعدهما إلى عصر أمير المؤمنين علي (ع) وأصبح ما اختلقه سيف هو التاريخ الرسمي للصحابة ولما قاموا به من فتوح، وكان من نتائج ما وضع واختلق من كثرة عدد القتلى في الفتوح ما اشتهر بين غير المسلمين أن الإسلام قد انتشر بحد السيف وبإراقة انهار من دماء البشر ـ ولعل لزندقته أيضًا دخل في هذا الاختلاق ـ بينما الواقع أن الشعوب بنفسها كانت تقف إلى جانب الجيوش الإسلامية ضد حكامها وتدخل في دين الله أفواجًا وبذلك انتشر الإسلام لا بحد السيف.
هذا هو التاريخ الذي وضعه سيف، وهذا التاريخ أصبح له قداسته بعد أن أُهمل في زوايا النسيان كل ما دوّن من تاريخ غير الذي اختلقه سيف، ومضى على ذلك القرون تلو القرون وتسالم على صحته الخلف بعد السلف...».
مقارعة ما ظهر عند الشيعة من بِدَع
وإذ قلنا أن السيد العسكري اهتمّ بالردّ العلمي الموضوع على ما كيل للتشيّع من تهم، وعلى رأسها قضية السبأية وعبدالله بن سبأ، وبيّن زيف الروايات التاريخية التي تسيء إلى التشيّع، وتخلق الحواجز النفسية بين الأمة الإسلامية، فإن السيد أيضًا وقف بصرامة أمام ما يقوم به بعض الشيعة من ممارسات سيئة؛ من تلك :
1 – ذكر أخبار وقصص عن يوم عاشوراء على منابر الذكر الحسيني، ليس لها أساس من الصحة. وشدّد على رفض ذلك والنهي عنه وطلب من أصحاب المنبر والوعّاظ والمدّاحين أن يلتزموا بماجاء في نصوص التاريخ الموثوقة بشأن حادثة كربلاء، وأن لا يخلطوها بالأوهام والحوادث الخيالية، وكتب السيد بنفسه حول حادثة كربلاء من المصادر الموثوقة، وكان يتلوه على الناس يوم عاشوراء من كل سنة.
2- رفضة الشديد لما يقوم به بعض الشيعة يوم العاشر من محرم من إدماء الرؤوس والظهور، وأكد على حرمة هذا العمل، وأنه يتعارض مع تعاليم أهل البيت (عليهم السلام). كانت هذه دعوته منذ أن كان في العراق. وفي إيران حين أعلن السيد القائد الخامنئي منع هذه الظاهرة هبّ السيد العسكري ليناصر هذا الإعلان بكل وجوده، وكان مما قاله للسيد القائد في هذا الشأن: إن إعلانك منع إدماء الرؤوس ، هو ثورة تصحيحية لا تقل أهمية عن ثورة الإمام الخميني(رض).
3- وردت في بعض الكتب الحديثية الشيعية روايات بشأن تحريف القرآن، ونقصان بعض آياته. وكان ذلك مبعث طعن وهمز ولمز من المعادين لحركة التقريب. فانبرى السيد يكتب عنها ويفنّدها سندًا ومتنًا. ويذكر أن مثل هذه الروايات موجودة في صحاح أهل السنة أيضًا، ولكن أهل السنة يرفضونها كذلك، والمسلمون مجمعون على صحة ما بين دفتي الكتاب العزيز، ولم يعتره نقص ولا زيادة. هذا الردّ تناوله علماء الشيعة طبعًا منذ أقدم العصور وأثبتوا بطلانه، علمًا أن الشيعة ليست لهم «صحاح» بل كل أحاديثهم خاضعة للجرح والتعديل.
إذن، مشروع السيد العسكري في التقريب يتلخّص فيما يلي :
إنشاء الفرد المسلم إنشاءًا تربويًا وعلميًا صحيحًا، لينفتح على الإسلام بكل أبعاده، ولكي يفكر في شؤون أمته، بمعزل عن الحواجز الطائفية.
المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية/
الشؤون الدولية
