حديث التقريب .. الانفتاح العربي المعاصر على الأدب الفارسي
الانفتاح العربي المعاصر على الأدب الفارسي
الانفتاح العربي المعاصر على الفارسية لغة وآدابًا من عوامل النهضة العربية الحديثة.
فالنهضة حركة والحركة تعني تمزيق الأطر الضيقة والانفتاح على عوامل رحبة لا تعرف حدودًا من تقاليد وعادات وعنصريات وقوميات وقبليات ومذهبيّات، وهكذا كان روّاد النهضة العربية الحقيقة. فقد كانوا منفتحين قوميًا ومذهبيًا، لذلك نجد فيهم روحًا وثابة للتقريب بين أبناء القوميات الإسلامية، وبين أبناء المذاهب الإسلامية. وهذه الروح هي التي دفعت محمود سامي البارودي – وهو رائد نهضة الشعر العربي الحديث – أن ينفتح على اللغتين التركية والفارسية، وعلى آدابهما، وأن ينظم بتلك اللغتين، ودفعت محمد عبده – رائد النثر العربي الحديث ورائد الإصلاح الديني – أن يتعلم اللغة الفارسية متجاوزًا الحاجز القومي، وشرح نهج البلاغة لامير المؤمنين علي بن أبي طالب متجاوزًا الحاجز المذهبي. ودفعت عبدالرحمن الكواكبي الزعيم المصلح في الشام أيضًا أن يتعلم اللغتين الفارسية والتركية. ودفعت عبدالوهاب عزّام وهو الرجل المتفهّم لعوامل النهضة أن يؤسس كرسي اللغة الفارسية في الجامعات المصرية، ودفعت محمد مهدي الجواهري وغيره من رجال الثورة العراقيين أن ينفتحوا على اللغة الفارسية وآدابها، وهذه الروح نفسها هي التي دفعت «الفراتي» السوري أن يقبل على آداب اللغة الفارسية. وإذ ذكرت جيل المنفتحين فأجدني مُلزما أن أذكر واحدًا آخر من هؤلاء وهو عبدالمسيح الانطاكي الذي تربى على يد الكواكبي، والذي خرج من قوقعة أصله اليوناني فانفتح على العرب، وخرج من قوقعة انتمائه المذهبي فانفتح على الاسلام، بل وانفتح على مدرسة آل البيت، وأنشد ملحمته الخالدة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
نموذجان من العرب المعاصرين المنفتحين على الأدب الفارسي
من أجل أن نتبين العلاقة بين النهضة العربية المعاصرة والاتجاه نحو الأدب الفارسي نقف – ولو قليلاً – عند عربيين معاصرين ممن انفتح على الأدب الفارسي.
عبدالوهاب عزّام
في مصر اليوم أقسام عديدة متخصصة لتدريس اللغة الفارسية، وآلاف الطلاب ممن يدرسونها، وأكثر أقسام اللغة الفارسية في البلاد العربية وغير العربية يديرها مصريون، ورائد النهضة التي شهدتها مصر والبلاد العربية في مجال الدراسات الفارسية هو عبدالوهاب عزّام.
وعبدالوهاب عزّام رجل نذر نفسه للنهضة العربية، وأدرك بثاقب نظره وتجاربه أن الشرق لا يمكن أن ينهض عن طريق تقليد أوربا، بل لابد من خطة تقوم على أساس المزيج النفسي والحضاري والتاريخي لهذه الأمة.
ترجم الشاهنامة وأضافة اليها كثيرًا من التعليقات والشروح القيمة الهامة. كما كتب عن رحلاته إلى ايران وباكستان بروح تنبض بالتطلع إلى عودة الأمة الإسلامية إلى سالف عزّها. وترجم من الفارسية عن شاعر لاهور العظيم محمد اقبال واشترك مع يحيى الخشاب في ترجمة «چهار مقاله» لنظامي عروضي السمرقندي. وله غير ذلك، في مجال إعادة الترابط بين الأدبين العربي والفارسي، أعمال كثيرة.
محمد الفراتي
هذا الرجل من رموز النهضة المعاصرة، وأهمية دراسته تأتي من كونه رجل نهضة عربية توجّه إلى الأدب الفارسي. إذ في هذا التوجّه دلالات هامة لا تخفى.
لقد كافح الرجل تحت راية فيصل بن الحسين بعد أن لاحت في الافق بوادر قيام ثورة عربية، وشارك في مصر مشاركة فعّالة ضد الانجليز في ثورة 1919م. ثم دعا إلى الثورة والتمرد على الفرنسيين في سوريا مما أدى به إلى أن يفصل من التعليم ويلجأ إلى العراق. وهو في هذه الحركة التي لا تهدأ من أجل نهضة أمته، ينفتح على اللغتين الفارسية والتركية، ويترجم «بوستان» و«گلستان» لسعدي الشيرازي، وينشر «روائع الادب الفارسي»، كما يترجم رباعيات الخيام. وهو جهد كبير ربما استغرق من حياته مالا يقل عن معاناته في الأدب العربي.
ذكرنا أن النهضة حركة، والحركة كسر للحواجز وانفتاح على آفاق التكامل الانساني. والنهضة العربية بدأت حين جمعت بين الاصالة والمعصارة، ولكنها تعثرت حين سقطت في تقليد الغرب. وهناك من تفهّم خطل هذا التقليد. فأعرض عنه وانفتح على ثقافات أمته الاسلامية وآدابها، وعلى رأسها الفارسية. والفراتي من هؤلاء.. فهو رائد نهضة حقيقية تنطلق من جذور هذه الأمة ومزيجها الحضاري. ومن هنا اتجه إلى اللغة الفارسية باعتبارها اللغة التي تشترك في الجذور وتساهم في صنع ذلك المزيج الحضاري.
إنّ منطقتنا الاسلامية يُراد لها مزيدًا من التمزيق، ولا سبيل لمواجهة هذا الخطر الاّ بمزيد من الوعي الحضاري، ولعل استذكار سيرة رجال النهضة واهتمامهم بالتواصل بين آداب العالم الإسلامي وخاصة بين العربية والفارسية يعيننا على خلق هذا الوعي.
المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
الشؤون الدولية
