مراقدُ أهل البيت (عليهم السلام)

ملاذٌ آمنٌ للأمّة الإسلامية لا ميدانٌ للصراع المذهبي

ملاذٌ آمنٌ للأمّة الإسلامية لا ميدانٌ للصراع المذهبي

إنّ المراقد المطهّرة لأهل البيت (عليهم السلام) ليست مجرّد أماكن للزيارة يقصدها أتباع المذهب الشيعي، بل هي جزء من الذاكرة التاريخية والروحية للأمّة الإسلامية، وفضاءات مقدّسة يرتادها ملايين المسلمين من مختلف المذاهب، بدوافع عقدية وتاريخية وروحية وعاطفية. ومن هنا تتضاعف مسؤولية الزائرين وخَدَمة المراقد والناشطين في المجال الثقافي في صون حرمة هذه الأماكن والحفاظ على قدسيتها ومكانتها في الوجدان الإسلامي.

وقد شهدت السنوات الأخيرة، في بعض الأحيان، ممارسات لا تنسجم مع روح تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) ولا مع سيرة كبار فقهاء الشيعة؛ من قبيل الإساءة إلى أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، أو إهانتهم والحطّ من شأنهم والسخرية منهم، أو اتّخاذ مواقف استفزازية تجاه الزائرين من أهل السنّة. ومثل هذه السلوكيات لا تتنافى مع الأخلاق الإسلامية فحسب، بل لا تجد لها مسوّغاً شرعياً في الفقه الشيعي، فضلاً عمّا تخلّفه من آثار سلبية في وحدة الأمّة الإسلامية وتماسكها.

وتكشف مراجعة فتاوى ومواقف كبار مراجع الشيعة خلال العقود الأخيرة عن درجة واسعة من التوافق في التأكيد على ضرورة صيانة الوحدة الإسلامية واجتناب كل ما من شأنه إثارة الفتنة والنزاع المذهبي. فقد أكّد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي مراراً أنّ الإساءة إلى مقدّسات سائر المذاهب الإسلامية محرّمة شرعاً، وأنّ حرمة هذا السلوك لا تختصّ ببيئة أو ظرف بعينه، بل تشمل كلّ موضع يمكن أن تؤدي فيه الإساءة إلى هتك الحرمة وتعميق الخلاف بين المسلمين. كما نبّه سماحته إلى أنّ بعض التيارات المتطرّفة تعمل بصورة واعية على توظيف الإساءة إلى مقدّسات المسلمين وتعميق الانقسامات المذهبية خدمةً لمشاريع الفتنة وإضعاف وحدة الأمّة الإسلامية.

ويتجلّى هذا المنهج كذلك في مواقف عدد من مراجع الشيعة العظام. فقد تجاوز آية الله العظمى السيد السيستاني التعبير المتداول بـ«إخواننا أهل السنّة»، فوصفهم بأنّهم «أنفسنا»، وأكّد ضرورة الدفاع عن حقوقهم الاجتماعية والسياسية. وهذا التعبير لا يمثّل مجرّد توصية أخلاقية عابرة، بل يكشف عن رؤية شاملة إلى الأمّة الإسلامية، تجعل أمن المسلمين وكرامتهم وعزّتهم مصالح مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. وقد شدّد مكتب السيد السيستاني في بياناته على رصّ صفوف المسلمين، ونبذ النعرات الطائفية، وتجنّب إثارة الخلافات المذهبية، وترسيخ التعايش السلمي القائم على الاحترام المتبادل. (Sistani)

وكان آية الله بهجت، بنظرة استشرافية إلى تداعيات السلوك المذهبي، يحذّر من أنّ أيّ تصرّف من شأنه إثارة الخلاف والنزاع قد يمهّد لسفك دماء الشيعة في مناطق أخرى من العالم، وأنّ من يتسبّبون في مثل هذه الأفعال يتحمّلون مسؤوليتها. ويكشف هذا التحذير عن حقيقة مهمّة، وهي أنّ السلوكيات الانفعالية وغير المسؤولة لا ينبغي النظر إليها بوصفها أفعالاً فردية معزولة، لأنّها قد تفضي إلى تداعيات أمنية وإنسانية واسعة تتجاوز حدود المكان الذي وقعت فيه.

كما أكّد آية الله وحيد الخراساني، استناداً إلى الروايات المعتبرة، النهي عن السبّ واللعن العلني، مذكّراً بأنّ الأئمة (عليهم السلام) وجّهوا المسلمين إلى حضور مساجد سائر المسلمين، وعيادة مرضاهم، والمشاركة في تشييع جنائزهم. وتقدّم هذه السيرة نموذجاً واضحاً للتعامل الاجتماعي الإسلامي القائم على التواصل والاحترام وحسن المعاشرة، وهو نموذج لا ينسجم مع الإهانة أو الاستفزاز أو أيّ سلوك من شأنه إثارة التوتّر والنزاع بين المسلمين.

كما أكّد آيات الله العظام جوادي آملي، ونوري همداني، وموسوي أردبيلي، وشبيري زنجاني، ومكارم الشيرازي، بعبارات مختلفة ومضامين متقاربة، حرمة الإساءة إلى مقدّسات المذاهب الإسلامية، ورفض كلّ ممارسة تؤدي إلى إثارة الفرقة والعداء وإضعاف وحدة المسلمين ومصالح الأمّة الإسلامية. وتكشف هذه المواقف المتقاربة أنّ الوحدة الإسلامية ليست مجرّد مصلحة سياسية عابرة تفرضها ظروف مرحلية، وإنما تستند إلى مبادئ راسخة في الفقه الإمامي وإلى رؤية إسلامية أوسع في تنظيم علاقة المسلمين بعضهم ببعض.

وعلى هذا الأساس، ينبغي أن تكون مراقد أهل البيت (عليهم السلام) نموذجاً حيّاً للأخلاق الإسلامية، وفضاءً يشعر فيه كلّ مسلم، مهما كان انتماؤه المذهبي، بالأمن والاحترام والكرامة. فالزائر من أهل السنّة الذي يقصد مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو الإمام الحسين (عليه السلام)، أو الإمام الرضا (عليه السلام)، أو غيرهم من الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، إنّما يأتي إلى مقام يرتبط بأهل البيت (عليهم السلام)، وهو في هذا الفضاء المقدّس ضيفٌ ينبغي إكرامه واحترامه. وإنّ تكريم هذا الزائر، في جوهره، تكريمٌ لثقافة أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم؛ تلك الثقافة التي قامت على الحكمة والرحمة وحسن التعامل واستمالة القلوب، لا على الإهانة والتنفير وإثارة الخصومة.

وفي المرحلة الراهنة، يستفيد أعداء العالم الإسلامي من الانقسامات المذهبية، أكثر من أيّ وقت مضى، في إضعاف وحدة المسلمين وتفكيك مجتمعاتهم. فكلّ سلوك ينطوي على الإهانة، وكلّ شعار استفزازي، وكلّ ممارسة تؤجّج الخلافات المذهبية، يتحوّل إلى مادة دعائية تستثمرها التيارات المعادية للإسلام والتيارات التكفيرية، كما يسهم في استنزاف الرصيد الاجتماعي للأمّة الإسلامية وإضعاف قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة.

وفي المقابل، فإنّ ترسيخ الاحترام المتبادل، والالتزام بالآداب الإسلامية، واجتناب كلّ ما يثير الفتنة، والتمسّك بتوجيهات كبار مراجع الشيعة، يمكن أن يحوّل مراقد أهل البيت (عليهم السلام) إلى نموذج عملي للتعايش الإسلامي، وإلى فضاء فاعل من فضاءات التقريب بين المذاهب الإسلامية. وهذا ينسجم مع جوهر مشروع التقريب الذي يقوم على تعزيز التعارف والتفاهم والاحترام المتبادل وترسيخ أواصر الأخوّة الإسلامية بين أتباع المذاهب المختلفة. (Taqrib)

ومن هذا المنظور، فإنّ صيانة حرمة الزائرين واحترام كرامتهم ليست مجرّد سلوك أخلاقي أو أدب اجتماعي، بل هي واجب شرعي، ومسؤولية اجتماعية، وضرورة استراتيجية لحماية وحدة الأمّة الإسلامية وتماسكها وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة.

ومن ثمّ، فإنّ كلّ من ينتسب إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ينبغي أن يدرك أنّ أفضل وسيلة للتعريف بهذه المدرسة وإظهار حقيقتها ليست في الخطابات الحادّة ولا في الشعارات الاستفزازية، بل في الأخلاق الكريمة، واحترام المسلمين، وحسن المعاملة، والالتزام بسيرة أهل البيت (عليهم السلام)؛ وهي السيرة التي جعلت الحكمة والرحمة وحفظ كرامة الإنسان وسيلةً لجذب القلوب وبناء جسور التواصل.

فإذا كانت مراقد أهل البيت (عليهم السلام) تمثّل في الوعي الشيعي مراكز للارتباط الروحي والتاريخي بأئمة أهل البيت، فإنّها في بعدها الإسلامي الأوسع قادرة أيضاً على أن تكون جسوراً للتواصل بين المسلمين، ومجالاتٍ عملية للتقريب بينهم، ونماذجَ للتعايش القائم على الاحترام والكرامة المتبادلة. ومن هنا، فإنّ تحويل هذه المراقد إلى فضاءات آمنة لكلّ المسلمين ليس مجرّد مطلب تنظيمي أو أخلاقي، بل هو جزء من المسؤولية الحضارية في تقديم صورة حقيقية عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وعن قدرتها على بناء الوحدة الإسلامية وصيانة كرامة الأمّة.