أهلُ السنّة وأهلُ البيت (عليهم السلام)؛
حقيقةٌ ضحيةُ حربِ الروايات
من أعقد ميادين الصراع في العالم الإسلامي تلك التي لا تدور في ساحات القتال، بل تجري في ميدان «الروايات والصور الذهنية». فقد أدرك أعداء الأمّة الإسلامية منذ سنوات أنّ إحداث شرخ بين المسلمين لا يتطلّب بالضرورة اختلاق خلافات جديدة، بل يكفي تشويه صورة كلّ مذهب في أذهان أتباع المذهب الآخر. ومن هنا، غدا من أكثر أدوات الصراع الطائفي تأثيراً إنتاج «تصوّرات معرفية خاطئة» و**«سوء فهم مُخطَّط له»** بشأن عقائد المذاهب الإسلامية ومواقفها.
وفي هذا السياق، تُبذل من جهة جهود لتصوير الشيعة، في نظر قطاعات من أهل السنّة، على أنّهم مذهب يتبنّى الغلوّ أو الإفراط في شأن أهل البيت (عليهم السلام)، بل يصل ـ بحسب هذه الصورة المشوّهة ـ إلى حدّ الشرك؛ في حين أنّ العقيدة الإمامية المعتمدة لا تقرّ مثل هذا التصوّر، بل تؤكّد على الدوام التوحيد الخالص والعبودية لله تعالى.
وفي المقابل، تعمل تيارات أخرى على ترسيخ تصوّر لدى بعض الشيعة مفاده أنّ أهل السنّة، في أصل موقفهم، أعداء لأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنّهم لا يحملون تجاه عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) محبّةً ولا اعتقاداً بمكانتهم. وهذه الصورة، شأنها شأن الصورة الأولى، بعيدة كلّ البعد عن كثير من المعطيات التاريخية والحديثية، وهي ـ أكثر من كونها مستندة إلى المصادر الإسلامية المعتبرة ـ نتاجٌ للحرب النفسية وصناعة الروايات ذات الطابع الطائفي.
والحقيقة أنّ محبّة أهل البيت (عليهم السلام) تمثّل رصيداً مشتركاً بين المسلمين. فمع وجود اختلاف بين المذاهب الإسلامية في مسألة الإمامة، والمرجعية الدينية، وعدد من القضايا الكلامية، فإنّ أصل محبّة أهل بيت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، واحترامهم، وتعظيم مكانتهم، يُعدّ من أبرز المشتركات في العالم الإسلامي. وهذا المشترك، إذا جرى التعريف به بصورة صحيحة، يمكن أن يتحوّل، بدلاً من أن يكون مدخلاً للخلاف، إلى أحد أهم الأسس التي يقوم عليها مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية.
وتكشف دراسة المصادر الحديثية لدى أهل السنّة بوضوح عن هذه الحقيقة. ففي معظم كتب الصحاح الستة أبواب وفصول تتناول فضائل أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، والإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وسائر فضائل أهل البيت (عليهم السلام). فعلى سبيل المثال، ورد في صحيح مسلم عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قوله:
«فاطمة بضعةٌ منّي، يؤذيني ما آذاها».
وهذا الحديث ليس سوى واحد من عشرات الأحاديث الواردة في المصادر الحديثية المعتبرة لدى أهل السنّة في بيان منزلة أهل البيت (عليهم السلام) ومكانتهم.
كما عدّ عدد من علماء أهل السنّة محبّة أهل البيت من دلائل الإيمان. فقد أورد الزمخشري في الكشّاف الحديث المشهور عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):
«ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات شهيداً...»
كما نقل الحافظ سليمان القندوزي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«معرفة آل محمد براءةٌ من النار، وحبّ آل محمد جوازٌ على الصراط، والولاية لآل محمد أمانٌ من العذاب».
وبصرف النظر عن المناقشات السندية والكلامية المتعلّقة ببعض هذه الروايات، فإنّ المهمّ هنا هو أنّ أصل فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ومكانة محبّتهم يحظى بحضور واضح في جانب مهم من التراث الحديثي والتفسيري لدى أهل السنّة.
ولا تقتصر هذه الحقيقة على رواية الأحاديث فحسب؛ فقد ألّف علماء من أهل السنّة، على امتداد القرون المختلفة، عشرات المصنّفات المستقلة في فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيما في فضائل أمير المؤمنين علي (عليه السلام). ومن ذلك الخصائص للنسائي، وفرائد السمطين للجويني الشافعي، وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي للباعوني، ومناقب الإمام علي لمحمد بن سليمان الكوفي، وغيرها من المؤلفات الكثيرة التي تمثّل جانباً من هذا التراث العلمي. ويكشف وجود هذه المصنّفات عن أنّ محبّة أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن ظاهرة استثنائية أو هامشية، بل كانت جزءاً من التراث العلمي والثقافي لدى شريحة واسعة من علماء أهل السنّة.
ومع ذلك، ينبغي النظر إلى المسألة بواقعية وموضوعية. فالعالم السنّي، شأنه شأن العالم الشيعي، ليس كتلةً متجانسة تماماً؛ إذ توجد بين المذاهب الفقهية، والمدارس الحديثية، والتيارات الفكرية داخل أهل السنّة، تفاوتات في درجة التعبير عن محبّة أهل البيت (عليهم السلام) وفي أساليب إظهارها. فعلى سبيل المثال، يرى كثير من الباحثين أنّ للشافعية، بالنظر إلى التراث العلمي للإمام الشافعي وما خلّفه علماء هذا المذهب من مؤلفات، حضوراً متميزاً في مجال فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، من الناحيتين العلمية والعاطفية. غير أنّ هذه التفاوتات لا ينبغي أن تحجب الأصل المشترك المتمثّل في محبّة أهل البيت (عليهم السلام).
وقد أكّد سماحة قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد علي الخامنئي، هذه الحقيقة مراراً، مستخدماً التعبير الدقيق «أهل السنّة المحبّون لأهل البيت». فقد أشار سماحته، خلال زيارته لمحافظة كردستان، وفي مناسبات أخرى، إلى أنّ محبّة أهل البيت (عليهم السلام) ظاهرة عامة في العالم الإسلامي، وأنّ من يزور البلدان الإسلامية المختلفة يجد مظاهر هذه المحبّة في المزارات والمقامات المنسوبة إلى أهل البيت، وفي الأشعار والأدعية والمؤلفات العلمية والثقافة العامة للمسلمين. كما أشار إلى أنّ بعض الباحثين المعاصرين من أهل السنّة أثبتوا بوضوح، في مؤلفاتهم العلمية، أنّ المراد بأهل البيت في عدد من الآيات والروايات هو أمير المؤمنين علي، والسيدة فاطمة، والإمامان الحسن والحسين (عليهم السلام).
ومن هنا، فإنّ من أهمّ واجبات المراكز العلمية، ووسائل الإعلام الدينية، والمؤسسات العاملة في مجال التقريب، تصحيح هذه التصوّرات التاريخية الخاطئة وإعادة بناء الوعي المتبادل على أساس المصادر الأصيلة. فالتقريب بين المذاهب لا يعني إلغاء الاختلافات العقدية، وإنما يعني الوصول إلى معرفة صحيحة بالآخر، والحيلولة دون إصدار الأحكام انطلاقاً من الدعاية والصور النمطية والتصوّرات المشوّهة. وكلّما ازداد المسلمون معرفةً بالمصادر الأصيلة للآخر، اتّضح لهم بصورة أكبر أنّ كثيراً مما يُقدَّم بوصفه سبباً للعداء والنزاع، هو في الحقيقة من المشتركات الكبرى التي تجمع أبناء الأمّة الإسلامية.
واليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، يحتاج العالم الإسلامي إلى إعادة قراءة تراثه المشترك قراءةً منصفة وموضوعية. وتأتي محبّة أهل البيت (عليهم السلام) في مقدّمة هذه المشتركات؛ فهي رصيدٌ إذا أُخرج من غبار سوء الفهم والتصوّرات المشوّهة والروايات المحرّفة، يمكن أن يصبح أساساً لتعزيز التعاطف والتآلف بين الشيعة وأهل السنّة، وأن يتحوّل كذلك إلى نموذج عملي لمواجهة مشاريع الفتنة والانقسام التي تستهدف وحدة الأمّة الإسلامية.
