من التقارب الخطابي إلى هندسة التعاون؛

أفق جديد للتقريب في المؤتمر الأربعين للوحدة الإسلامية

أفق جديد للتقريب في المؤتمر الأربعين للوحدة الإسلامية

يمكن النظر إلى المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية، لا بوصفه مجرد فعالية سنوية في أجندة مشروع التقريب، بل باعتباره فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين «الوحدة» وواقع العالم الإسلامي المتغير. ولا تكمن أهمية هذه الدورة في عدد الضيوف أو المقالات أو الجلسات فحسب، بل في السؤال الذي تطرحه: بعد أربعة عقود من طرح خطاب التقريب، كيف يستطيع العالم الإسلامي أن ينتقل من مرحلة التعاطف والحوار إلى مرحلة التعاون المستدام والمنظّم؟

وقد أكّد البيان الختامي للمؤتمر، في جملة من الموضوعات التي تناولها، بصورة صريحة ضرورة إخراج الوحدة من مستوى الخطاب والمناسبات السنوية، وتحويلها إلى نهج عملي في العلاقات بين الشعوب والدول الإسلامية. ويمكن لهذه الفكرة أن تشكل منطلقاً مهماً لفهم المرحلة الجديدة من مشروع التقريب.

مشكلة التقريب اليوم ليست نقصاً في الأدبيات

على مدى العقود الماضية، قيل وكُتب الكثير عن ضرورة الوحدة الإسلامية. فأصبح مفهوم الأمة الواحدة، والمشتركات بين المذاهب، وأخلاقيات الاختلاف، والحوار بين العلماء، ومواجهة التفرقة، جزءاً راسخاً من أدبيات التقريب. ومن ثم، لا يمكن البحث عن التحدي الأساسي اليوم في ضعف التنظير للوحدة فحسب.

إن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة بين الفكرة والآلية.

فقد يؤكد علماء المذاهب الوحدة في لقاء مشترك، لكن هذا التأكيد لا يتحول إلى واقع اجتماعي إلا عندما تظهر آثاره أيضاً في المدرسة والجامعة، والإعلام، وإنتاج المعرفة، والتواصل بين النخب، والاقتصاد، والثقافة، والعلاقات بين المجتمعات المسلمة. ولا تتحول الوحدة من قيمة منشودة إلى استراتيجية مستدامة إلا عندما تُحدَّد لها مؤسسات وشبكات وبرامج ومؤشرات للتقييم واستمرارية عملية.

ومن هذا المنظور، يمكن أن يتمثل أحد أهم منجزات المؤتمر الأربعين في فتح الطريق أمام مرحلة جديدة من أنشطة التقريب، هي: مرحلة هندسة التعاون الإسلامي.

ينبغي أن ينتقل التقريب من «الفعالية» إلى «الشبكة»

من القدرات المهمة التي اتسم بها مؤتمر هذا العام اتساع النطاق الجغرافي والعلمي للمشاركين؛ فحضور شخصيات من عشرات الدول، وتقديم مئات البحوث، وعقد جلسات لامركزية وندوات إلكترونية جانبية، يدل على أن مشروع التقريب لم يعد محصوراً في تجمع مركزي واحد.

لكن الخطوة التالية تتمثل في تحويل هذا الامتداد إلى شبكة مستدامة.

فإذا شارك مفكر من إحدى الدول في مؤتمر الوحدة، فلا ينبغي أن تنتهي صلته بمشروع التقريب بانتهاء فعاليات المؤتمر. بل يمكن إنشاء شبكات بين العلماء والأكاديميين ومراكز البحوث والشباب ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية في الدول الإسلامية، تكون فاعلة على مدار العام وتعمل على وضع مشاريع مشتركة وتنفيذها.

وفي مثل هذا النموذج، لا يعود المؤتمر نقطة نهاية للنشاط التقريبي، بل يصبح نقطة انطلاق لدورة من التعاون.

تُختبر الوحدة في المجال الاجتماعي

من النقاط المهمة في البيان الختامي التأكيد على ضرورة بقاء الاختلافات المذهبية والفقهية والكلامية في إطار الاجتهاد والحوار العلمي وأخلاقيات الاختلاف، وألا تتحول إلى صراع اجتماعي.

وتضع هذه النقطة أمام مشروع التقريب ضرورة عملية بالغة الأهمية. فالتقريب لا يكتسب معناه على مستوى النخب وحده. وإذا لم تُعاد إنتاج أدبيات التقريب في المجتمع والمدرسة والجامعة والفضاء الإعلامي، فستظل الفجوة قائمة بين حوار النخب والسلوك الاجتماعي.

ومن هنا، يمكن أن تتمثل إحدى المهام المستقبلية في تطوير «الثقافة التقريبية» في المجتمعات الإسلامية؛ أي تعليم مهارات التعرّف إلى المذاهب، والحوار باحترام، والتمييز بين الاختلاف العلمي والخصومة المذهبية، ومواجهة الخطاب التكفيري وخطاب الكراهية.

وهنا يكتسب دور وسائل الإعلام أهمية خاصة. فمواجهة التفرقة لا تتحقق بمجرد إدانة الإساءة والتكفير؛ بل ينبغي إنتاج سردية بديلة، تعيد تعريف المسلمين لا على أساس حدودهم الطائفية، وإنما على أساس مشتركاتهم العقدية والتاريخية والأخلاقية ومصالحهم المشتركة.

من التضامن الوجداني إلى المصالح المشتركة

ومن النقاط الأخرى اللافتة في البيان الربط بين الوحدة وأشكال التعاون السياسي والاقتصادي والعلمي والثقافي والأمني.

وينقل هذا المنظور مشروع التقريب إلى ما هو أبعد من كونه مفهوماً ثقافياً صرفاً.

فالتقارب يصبح مستداماً عندما تشعر المجتمعات المسلمة بأن التعاون فيما بينها يحقق لها منفعة حقيقية. ويمكن للتعاون العلمي بين جامعات الدول الإسلامية، والمشاريع الثقافية المشتركة، وتبادل الأساتذة والطلاب، والإنتاج المشترك للأعمال الإعلامية والعلمية، والتواصل بين النخب، بل وحتى أشكال التعاون الاقتصادي، أن تمنح الوحدة أساساً قائماً على المصالح المشتركة.

وفي الواقع، لا يُضمن مستقبل التقريب بمجرد زيادة عدد المؤتمرات واللقاءات، وإنما يُبنى من خلال زيادة عدد الروابط التي تبقى قائمة بعد انتهاء اللقاءات.

أمن العالم الإسلامي؛ اختبار لنضج خطاب الوحدة

وتحدث البيان الختامي كذلك عن ضرورة إعادة النظر في الترتيبات الأمنية والدفاعية في العالم الإسلامي، مؤكداً قدرة الدول الإسلامية على إنشاء ترتيبات أمنية ذاتية ومستقلة.

ويمكن النظر إلى هذا الجانب من البيان بوصفه أحد مؤشرات انتقال خطاب الوحدة من المستوى الثقافي إلى المستوى الاستراتيجي. فالعالم الإسلامي يواجه اليوم أزمات تتجاوز الحدود المذهبية. فالحروب والاحتلال والتطرف وعدم الاستقرار السياسي والتبعية الأمنية لا تستهدف مذهباً بعينه، ولا يمكن البحث عن حلولها في إطار التنافسات الطائفية.

ومن ثم، ينبغي لمشروع التقريب في مرحلته الجديدة أن يتمكن من الربط بين «الوحدة المذهبية» و«التعاون الاستراتيجي»؛ وهو ارتباط لا يمكن أن يتحقق، بطبيعة الحال، من دون احترام استقلال الدول واختلاف رؤاها السياسية.

المؤتمر الأربعون؛ بداية مرحلة لا نهاية حقبة

تنبع أهمية الدورة الأربعين لمؤتمر الوحدة الإسلامية من إمكانية أن تمثل تحولاً في المقاربة: الانتقال من سؤال «لماذا ينبغي أن نكون متحدين؟» إلى سؤال «كيف يمكننا أن نعمل بصورة موحدة؟»

والإجابة عن السؤال الثاني تتطلب تصميم آليات واضحة، من قبيل الشبكات العلمية والنخبوية، والبرامج المشتركة بين المؤسسات الإسلامية، والتعاون الإعلامي، والمشاريع الثقافية المشتركة، والحوار المنتظم بين المذاهب، وآليات إدارة الأزمات الطائفية.

وفي هذا الإطار، يمكن تلخيص الرسالة الأساسية للمؤتمر الأربعين في مقولة واحدة: إن الوحدة الإسلامية اليوم لا تحتاج، قبل كل شيء، إلى إثبات ضرورتها، بقدر ما تحتاج إلى تصميم آليات لتحقيقها.

لقد وفّرت أربعة عقود من العمل التقريبي رصيداً ثميناً من الخبرات والعلاقات والأدبيات المشتركة. وينبغي للمرحلة المقبلة أن تحوّل هذا الرصيد إلى «قدرة على التعاون». فإذا تحقق هذا التحول، فسيتجاوز مؤتمر الوحدة كونه تجمعاً للنخب، ليصبح إحدى حلقات شبكة أوسع للتقارب في العالم الإسلامي؛ شبكة تُعترف فيها بالاختلافات، من دون أن يتحول الاختلاف إلى عداء، وتصبح المشتركات أساساً للتعاون من أجل المستقبل.

ولعل هذا هو أهم معنى يمكن استخلاصه من المؤتمر الأربعين للوحدة بالنسبة إلى مستقبل مشروع التقريب: إن مستقبل الوحدة الإسلامية لا يُبنى على إلغاء الاختلافات، بل على تحويل الاختلافات المُدارة إلى أشكال مستدامة من التعاون.