الوحدة في عصر التنافس؛

من إدارة الاختلاف إلى إعادة بناء قوة العالم الإسلامي

من إدارة الاختلاف إلى إعادة بناء قوة العالم الإسلامي

يواجه العالم الإسلامي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مسألة «القوة»؛ غير أن القوة هنا لا تقتصر على عدد الصواريخ، أو حجم الاحتياطيات النقدية، أو القدرات العسكرية للدول. فالقوة، قبل أن تتجلى في الترسانات ومؤشرات الاقتصاد، تتشكل في قدرة المجتمع على التمييز بين الصديق والعدو، وإدارة اختلافاته، والحفاظ على تماسكه الداخلي، واتخاذ قراراته بصورة مستقلة. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن إحدى أبرز أزمات العالم الإسلامي لا تكمن في نقص الإمكانات، بقدر ما تكمن في تشتّت القدرات.

تمتلك الدول الإسلامية موقعاً جغرافياً فريداً، وموارد طبيعية واسعة، وتركيبة سكانية شابة، وأسواقاً كبيرة، وإرثاً حضارياً عريقاً، غير أن هذه القدرات الهائلة لم تتحول بعد إلى قوة تتناسب مع حجمها. ولا يمكن البحث عن السبب في الضغوط الخارجية وحدها؛ إذ يعود جانب مهم من المشكلة إلى العجز عن إيجاد آليات قادرة على إدارة الاختلاف وتحويل القدرات المتفرقة إلى قوة مشتركة.

وهنا تكتسب مسألة الوحدة الإسلامية معنى مختلفاً. فالوحدة ليست مجرد توصية أخلاقية تدعو إلى المحبة بين المسلمين، ولا شعاراً مناسباً للمناسبات الدينية؛ بل إن الوحدة، في الظروف الراهنة، تمثل جزءاً من البنية التحتية لقوة العالم الإسلامي.

الاختلاف حقيقة؛ والعداء خيار

من الأخطاء الشائعة في الحديث عن الوحدة افتراض أن الوحدة لا يمكن أن تتحقق إلا بعد زوال الاختلافات. وهذا التصور لا ينسجم مع حقائق التاريخ، ولا مع البنية المتنوعة للعالم الإسلامي. فقد اختلف المسلمون عبر التاريخ في المجالات الفقهية والكلامية والسياسية والثقافية، ولم تكن هذه الاختلافات بالضرورة دليلاً على الضعف.

وتبدأ المشكلة عندما يتحول الاختلاف الطبيعي إلى عداء منظّم.

يمكن إدارة الاختلاف، والحوار بشأنه، بل وحتى عدم التوصل إلى اتفاق في بعض القضايا؛ لكن عندما يقترن الاختلاف بالتكفير، والإهانة، والكراهية، وإثارة المشاعر المذهبية، فإنه لا يعود مجرد اختلاف فكري. فعند هذه المرحلة يتحول الاختلاف إلى انقسام اجتماعي، ثم إلى قضية أمنية.

كما أن قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ لا يمثل، في هذا المنظور، مجرد دعوة إلى شعور جمعي بالوحدة، بل ينطوي كذلك على تحذير من عواقب التفرّق. فالمجتمع الذي يفقد القدرة على الحفاظ على روابطه الأساسية، سيفقد تدريجياً قدرته على الدفاع عن مصالحه ومستقبله.

ولعل الحاجة اليوم إلى التمييز بين «الاختلاف» و«العداء» أشد من أي مرحلة سابقة. فالاختلاف يمكن أن يكون جزءاً من حيوية الفكر، بينما يؤدي العداء إلى تقويض رأس المال الاجتماعي. ومن ثم، فإن الخطوة الأولى في طريق الوحدة ليست إزالة الاختلاف؛ بل الحيلولة دون تحوّل الاختلاف إلى خصومة.

حرب تبدأ قبل ساحة المعركة

لم تعد أجزاء مهمة من الصراعات التي يشهدها العالم الإسلامي اليوم تبدأ في ميادين القتال. فقبل ذلك تتشكل معركة إعلامية؛ معركة حول الصورة التي يُراد رسمها عن الآخر.

يمكن للإعلام أن يعرّف المسلمين بواقع بعضهم بعضاً، وأن يهيئ المجال للحوار، لكنه يستطيع أن يعمل في الاتجاه المعاكس تماماً. فعندما يقوم الخطاب الإعلامي على إثارة الخوف، وإعادة إنتاج الكراهية، والمبالغة في إبراز نقاط الاختلاف، يتحول «الآخر» تدريجياً من منافس فكري أو سياسي إلى تهديد وجودي.

وفي مثل هذا المناخ، يكون المجتمع قد بدأ الحرب في وعيه قبل أن يدخل حرباً حقيقية.

وتكمن الخطورة في أن الناس لا يعودون يحكمون على بعضهم بعضاً استناداً إلى الواقع، وإنما استناداً إلى الصورة التي صُنعت عنهم. فالشيعي، والسنّي، والعربي، والفارسي، أو أي هوية أخرى، بدلاً من أن يُنظر إليها بوصفها جزءاً من التنوع الحقيقي في العالم الإسلامي، تُقدَّم في صورة مبسطة، وغالباً ما تكون عدائية.

ولهذا، لا يمكن اليوم الحديث عن الوحدة الإسلامية مع تجاهل المسألة الإعلامية. فأي مشروع للوحدة، إذا لم يمتلك في مواجهة منظومة إنتاج الكراهية وسوء الفهم قوة إعلامية وفكرية، فسوف يتعرض عاجلاً أو آجلاً للاستنزاف من داخله.

فرصة جديدة؛ هل يصبح العالم الإسلامي فاعلاً؟

أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن بنية القوة العالمية تشهد تحولاً. فلم يعد تمركز القوة في مركز واحد أو عدة مراكز محدودة، كما كان عليه الحال في السابق، كافياً لتفسير جميع التحولات السياسية والأمنية في العالم. فقد أصبحت القوى الإقليمية أكثر حضوراً وفاعلية، وتسعى أطراف جديدة إلى الحصول على دور أكبر في تحديد مستقبل النظام الدولي.

وقد يمثل هذا الوضع فرصة للعالم الإسلامي؛ غير أن الفرصة لا تتحول إلى إنجاز تلقائياً.

فإذا واصلت الدول الإسلامية إسناد قضاياها الأمنية إلى قوى خارجية، وأخرجت تنافساتها الإقليمية عن مساراتها المستقلة، فإن تغير النظام العالمي لن يؤدي بالضرورة إلى زيادة دورها. فقد تتغير القوى الدولية الفاعلة، بينما يظل موقع الدول الإسلامية مجرد ساحة لتنافس الآخرين.

وتنشأ الفرصة الحقيقية عندما يتمكن العالم الإسلامي من الانتقال من كونه «موضوعاً لسياسات الآخرين» إلى كونه فاعلاً في السياسة الإقليمية والدولية.

ويتطلب هذا التحول شبكة من أشكال التعاون الفعلية، تشمل التعاون الاقتصادي، والروابط العلمية والتكنولوجية، والحوار السياسي المستمر، والأهم من ذلك، إيجاد آلية تحول دون انتقال الخلافات بين الدول الإسلامية إلى أزمات أمنية.

ولا تعني الاستقلالية هنا قطع الصلات بالعالم. فلا تستطيع أي دولة في عالم اليوم أن تعيش في عزلة. فالاستقلال يعني أن تتمكن الدولة من اتخاذ قراراتها على أساس مصالحها وإرادتها، لا أن تصبح أمنها واقتصادها وسياستها الخارجية خاضعة لإرادة القوى الخارجية.

التنافس؛ محرّك للتقدم أم مصنع للعداء؟

من الحقائق التي لا يمكن إنكارها في العالم الإسلامي وجود التنافس بين الدول. وليس من الواقعي توقع إلغاء التنافس بصورة كاملة؛ لكن السؤال الأساسي هو: في خدمة ماذا يوظَّف هذا التنافس؟

يمكن للتنافس أن يكون محركاً للتنمية. فبإمكان الدول أن تتنافس في مجالات العلم والتكنولوجيا والصناعة والتعليم والرفاه العام والارتقاء بمستوى حياة شعوبها. ومثل هذا التنافس لا يمثل تهديداً فحسب، بل يمكن أن يسهم أيضاً في دفع العالم الإسلامي بأسره إلى الأمام.

لكن عندما يتحول التنافس على النفوذ إلى عداء، وعندما تعتمد دولة، من أجل إلحاق الضرر بدولة إسلامية أخرى، على قوى خارجية، يكون التنافس قد خرج عن مساره البنّاء.

وهنا تحديداً يقع الحد الفاصل بين التنافس البنّاء والتنافس الهدّام: هل يؤدي التنافس إلى تعزيز القوة الداخلية والاستقلال الإقليمي، أم يفتح المجال أمام التدخل والنفوذ الخارجيين؟

قد تختلف مصالح الدول الإسلامية، وقد لا تتوصل حتى إلى اتفاق بشأن بعض القضايا الإقليمية؛ لكن ينبغي ألا تصل هذه الخلافات إلى حد يصبح فيه أمن دولة رهناً بعدم استقرار دولة أخرى. فالمنطقة التي يلجأ فيها كل طرف إلى قوة خارجية من أجل هزيمة منافسه الإقليمي، ستنتهي في نهاية المطاف إلى تسليم أمن الجميع إلى القوى الخارجية.

تراث أخرج الوحدة من دائرة الشعار

في هذا السياق، يمكن فهم أهمية تراث الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في قضية الوحدة الإسلامية على نحو أفضل. ولعل أبرز ما يميز هذا النهج هو النظر إلى الوحدة بوصفها مشروعاً طويل الأمد ومتعدد المستويات.

فالوحدة، وفق هذا المنظور، لا تقتصر على مسألة العلاقة بين الشيعة والسنّة، وإن كان التقريب بين المذاهب يمثل أحد أسسها المهمة؛ بل ترتبط الوحدة أيضاً بالاستقلال السياسي، والأمن الإقليمي، وقضية فلسطين، ومواجهة الهيمنة، وصون كرامة المسلمين.

وعلى هذا الأساس، لا يُنظر إلى إحداث الانقسام المذهبي باعتباره مجرد خلاف عقدي، بل يمكن أن يتحول إلى أداة لإضعاف قوة العالم الإسلامي. فعندما تُستهلك قدرات الدول الإسلامية في الصراعات الداخلية بدلاً من توظيفها في مسارات التعاون، فلن تكون النتيجة إلا مزيداً من التبعية.

ومن النقاط المهمة في هذا التراث وضع قضية فلسطين في صميم الوعي والمسؤولية المشتركة للمسلمين. ففلسطين، في هذا الإطار، ليست مجرد قضية جغرافية، بل معيار لقياس قدرة العالم الإسلامي على تحويل المشتركات العقدية والتاريخية إلى مسؤولية وفعل جماعي.

ومع ذلك، فلعل أهم ما ينبغي الالتفات إليه عند إعادة قراءة هذا التراث هو إدراك أن الوحدة لا تُبنى بإصدار البيانات وتكرار الشعارات. وإنما تصبح الوحدة مستدامة عندما تتحول إلى آليات؛ آليات للحوار بين العلماء والنخب، والتعاون بين الجامعات والمراكز العلمية، والتواصل بين الشعوب، والإدارة الإعلامية للاختلافات، وإنشاء أطر لمعالجة الأزمات الإقليمية.

القضية الأساسية؛ من «الوحدة المنشودة» إلى «الوحدة الممكنة»

لعل الوقت قد حان لكي يتجاوز العالم الإسلامي تكرار السؤال: «لماذا لسنا متحدين؟»، وأن يطرح سؤالاً أكثر عملية: ما الذي يحول دون تعاوننا في القضايا التي لا نختلف في أصلها؟

قد يختلف المسلمون في قضايا كثيرة، لكنهم يمتلكون مجالات واسعة للتعاون في موضوعات من قبيل أمن الأراضي الإسلامية، والتقدم العلمي، والاستقلال السياسي، ورفاه الشعوب، ومواجهة الاحتلال، وصون الكرامة الإنسانية.

فالوحدة الإسلامية لا تهدف إلى إزالة جميع الاختلافات. ولعل مثل هذا الهدف ليس ممكناً، ولا مطلوباً، من الأساس. أما الممكن والضروري فهو إيجاد نوع من النضج السياسي والاجتماعي للعيش في ظل الاختلاف؛ نضج يحول دون تحول كل خلاف مذهبي إلى أزمة أمنية، وكل تنافس سياسي إلى عداء دائم.

ويحتاج العالم الإسلامي اليوم إلى هذا النضج أكثر من أي وقت مضى. فقد تتغير القوى الخارجية، وقد تتبدل التحالفات، وقد تأخذ موازين القوى العالمية شكلاً جديداً، لكن حقيقة واحدة ستظل قائمة: لا يستطيع أي مجتمع أن يبني قوة خارجية مستدامة في ظل التشتّت الداخلي.

ومن هذا المنظور، ليست الوحدة الإسلامية خياراً شكلياً، ولا مجرد مثل أخلاقي. بل هي قدرة الأمة على إبقاء الاختلافات في حدود الاختلاف، والحيلولة دون تحولها إلى انقسامات مدمّرة.

ولعل هذه النقطة تمثل أهم رسالة في المرحلة الراهنة: لن يستطيع العالم الإسلامي أن يحتل في النظام العالمي الجديد مكانة تتناسب مع قدراته إلا إذا تعلّم، قبل كل شيء، كيفية إدارة اختلافاته؛ لأن الأمة التي تعجز عن تنظيم شؤونها الداخلية، ستجد نفسها، حتماً، ساحةً لتنظيم الآخرين لشؤونها.