الأربعين؛

إعلامٌ حضاريٌّ للأمّة الإسلامية ودعوةٌ عالميةٌ إلى الوحدة في مواجهة الظلم

إعلامٌ حضاريٌّ للأمّة الإسلامية ودعوةٌ عالميةٌ إلى الوحدة في مواجهة الظلم

لا يمكن النظر إلى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها مجرّد شعيرة دينية أو مناسبة عبادية؛ فقد تحوّلت هذه المناسبة اليوم إلى واحدة من أبرز الظواهر الاجتماعية والثقافية في العالم الإسلامي، وهي ظاهرة تتجاوز الحدود الجغرافية والقومية، بل وتتخطّى في كثير من مظاهرها الحدود المذهبية، فتجمع ملايين الناس حول حقيقة مشتركة تتمثّل في الوقوف في وجه الظلم وصون كرامة الإنسان.

وقد وصف قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد علي الخامنئي، مسيرة الأربعين بأنّها «إعلامٌ لا نظير له» ورمزٌ لـ**«الوحدة الحسينية»**؛ فهي وسيلة إعلامية تنقل رسالتها إلى العالم من خلال الحضور المليوني لأتباع مذاهب وبلدان، بل وأديان مختلفة، من دون أن تعتمد بالضرورة على البنى الرسمية التقليدية للعمل الإعلامي والدعائي. وفي عالم أصبحت فيه الرأي العام أكثر عرضة من أي وقت مضى للعمليات الإعلامية والروايات الموجّهة، أثبتت الأربعين أنّ الحقيقة، حين تتحوّل إلى تجربة جماعية حيّة، لا تحتاج إلى دعاية مصطنعة؛ بل تتحوّل هي ذاتها إلى أقوى وسيلة إعلامية لإيصال رسالتها.

ومن أبرز أبعاد الأربعين قدرتها على إعادة بناء التضامن الإسلامي. فعلى خلاف الصورة التي قد تُرسم أحياناً من خارج العالم الإسلامي، لا تمثّل الأربعين مناسبةً حصرية بالشيعة، بل أصبحت مجالاً لحضور واسع لمسلمين من اتجاهات ومذاهب مختلفة. ويرى كثير من المفكرين من أهل السنّة في واقعة كربلاء محطةً مشتركة في الوجدان الإسلامي، ويعتبرون ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) دفاعاً عن المبادئ الأساسية للإسلام في مواجهة انحراف السلطة السياسية، لا صراعاً مذهبياً أو طائفياً. ومن هذا المنظور، فإنّ شعار «الحسين يجمعنا» ليس مجرّد شعار عاطفي، بل يعبّر عن قدرة حقيقية على تحقيق التقارب بين أبناء الأمّة الإسلامية.

ومع ذلك، فإنّ جانباً من المسافة القائمة بين بعض المجتمعات الإسلامية وثقافة عاشوراء لا يعود، في كثير من الأحيان، إلى الخلافات العقدية بقدر ما هو نتيجة للروايات التاريخية المشوّهة، والدعايات السياسية، وضعف المعرفة المتبادلة بحقيقة معتقدات الآخرين. وقد أثبتت تجربة الأربعين أنّ التواصل المباشر بين المسلمين يسهم في إزالة كثير من هذه التصوّرات الخاطئة، ويفتح المجال أمام الحوار انطلاقاً من المشتركات الإسلامية. ومن هنا، فإنّ الأربعين ليست مجرّد مناسبة للزيارة، بل هي أيضاً فضاء لإعادة تصحيح الصورة المتبادلة بين المذاهب الإسلامية وتعزيز الرصيد الاجتماعي للأمّة.

ومن جهة أخرى، لا تقتصر رسالة الأربعين على العالم الإسلامي وحده. فجوهر النهضة الحسينية يتمثّل في مواجهة الظلم، والدفاع عن العدالة، وصون كرامة الإنسان؛ وهي قيم يتوجّه خطابها إلى جميع الأحرار في العالم. فإذا كانت عاشوراء قد جسّدت بوضوح معالم الصراع بين الحق والباطل، فإنّ الأربعين تمثّل امتداداً لذلك الخطاب في صورة حركة اجتماعية ذات أبعاد عالمية. وإنّ حضور ملايين الناس في الطريق إلى كربلاء هو إعلانٌ عمليّ بأنّ الظلم، مهما اختلف اسمه أو تغيّرت صوره، لا يكتسب الشرعية، وأنّ مقاومته مسؤولية إنسانية ودينية.

ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى الأربعين بوصفها رصيداً استراتيجياً للعالم الإسلامي؛ رصيداً قادراً على إعادة صياغة الهوية المشتركة للمسلمين في مواجهة مشاريع التفريق والانقسام. فقد سعى أعداء الأمّة الإسلامية، على مدى سنوات طويلة، إلى تحويل الاختلافات المذهبية إلى انقسامات هوياتية وأمنية، غير أنّ الأربعين تقدّم في كل عام صورة مختلفة؛ صورةً للتعاون والتآلف والخدمة المتبادلة والتعايش بين مسلمين، رغم اختلافاتهم المذهبية، يجتمعون على محبّة أهل البيت (عليهم السلام)، والدفاع عن العدالة، ورفض الظلم.

واليوم، يحتاج العالم الإسلامي، أكثر من أي وقت مضى، إلى مثل هذه المقوّمات الوحدوية. فالأربعين تبرهن على أنّ الوحدة الإسلامية ليست مجرّد طموح بعيد المنال، بل هي حقيقة قابلة للتحقّق؛ حقيقة تقوم على القرآن الكريم، والسنّة النبوية، والقيم الإسلامية المشتركة، لا على إلغاء الاختلافات أو إنكارها. وعندما يسير ملايين الناس جنباً إلى جنب في طريق كربلاء، فإنّهم يوجّهون إلى العالم رسالة مفادها أنّ الأمّة الإسلامية، رغم ما بينها من اختلافات، لا تزال تمتلك طاقات هائلة للتقارب والتآلف واستعادة العزّة والاضطلاع بدور مؤثّر في المعادلات العالمية.

ومن هنا، يمكن النظر إلى الأربعين بوصفها «دعوةً عالميةً إلى الوحدة في مواجهة الظلم»؛ دعوةً تنطلق من كربلاء، لكنّ رسالتها تتوجّه إلى جميع الشعوب التي تؤمن بأنّ كرامة الإنسان والعدالة والحرية قيمٌ لا يجوز التفريط بها أو إخضاعها للمساومة.

وهذه هي الرسالة الخالدة للنهضة الحسينية؛ رسالة لم يستطع الزمن أن يفقدها راهنيتها، ولم تتمكّن الحدود الجغرافية من حصرها أو تقييد امتدادها. إنها رسالة تتجاوز حدود المذهب والجغرافيا، وتستمدّ قدرتها على البقاء من ارتباطها بقيم إنسانية وأخلاقية كبرى: الحق، والعدالة، والكرامة، ومقاومة الظلم.