ضرورةُ عقدِ المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية
من صون الرصيد الاجتماعي للعالم الإسلامي إلى إعادة تعريف الدبلوماسية التقريبية
ينعقد المؤتمر الدولي الأربعون للوحدة الإسلامية في مرحلة تكشف فيها التطورات الإقليمية والدولية، أكثر من أي وقت مضى، عن ضرورة إعادة بناء الرصيد الاجتماعي للأمّة الإسلامية وتعزيز خطاب التقريب بين المذاهب. ومن ثمّ، لا ينبغي النظر إلى هذه الدورة من المؤتمر بوصفها مجرّد مناسبة علمية أو ثقافية، بل باعتبارها محطةً استراتيجية لإعادة تعريف دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية في دبلوماسية الوحدة، وتعزيز التقارب بين النخب الفكرية والعلمية في العالم الإسلامي، وتقديم استجابات مشتركة للتحديات المستجدّة التي تواجه الأمّة الإسلامية.
إنّ إعلان أربعة سيناريوهات مختلفة لعقد المؤتمر من قبل الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، يعكس قدراً من الواقعية الإدارية والمرونة في التعامل مع الظروف الداخلية للبلاد والتطورات الإقليمية. ويكشف اعتماد أيٍّ من هذه السيناريوهات، بدءاً من الانعقاد الافتراضي الكامل وصولاً إلى الانعقاد الحضوري، عن رؤيةٍ تجعل استمرار المؤتمر وانعقاده أصلاً مقدّماً على شكل انعقاده وآلياته التنفيذية. ومن منظور إدارة الفعاليات والمؤتمرات الدولية، من شأن هذا النهج أن يضمن استمرارية الحوار العلمي والنخبوي حتى في ظلّ الظروف الاستثنائية الأمنية أو السياسية أو الصحية.
وتكتسب الدورة الأربعون للمؤتمر أهميةً خاصة من الناحية الرمزية أيضاً؛ إذ إنّ استمرار هذا الحدث على مدى أربعة عقود يدلّ على ترسّخ تقليد علمي ودبلوماسي في العالم الإسلامي. كما أنّ استمرارية هذا الحدث تحمل رسالة واضحة إلى الرأي العام في المنطقة وإلى النخب المسلمة، مفادها أنّ خطاب الوحدة ليس استراتيجيةً مرحلية أو استجابةً ظرفية، بل هو جزء من السياسة المستدامة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في تفاعلها مع الأمّة الإسلامية.
وعلى المستوى العلمي، فإنّ اعتماد أكثر من خمسين محوراً وعنواناً فرعياً تخصصياً لاستقبال البحوث، يعكس مسعى أمانة المؤتمر إلى الاستجابة للقضايا الراهنة التي تواجه العالم الإسلامي. ويمكن لهذا التوجّه أن يرتقي بالمؤتمر من مجرّد ملتقى رمزي إلى مرجعيةٍ في إنتاج الأدبيات العلمية في مجالات التقريب بين المذاهب، والتقارب الإسلامي، والمقاومة، والحضارة الإسلامية الجديدة، والتحديات المشتركة التي تواجه المسلمين. كما أنّ مشاركة الباحثين والمفكرين والنخب من مختلف المذاهب تتيح فرصة مهمة لتشكيل شبكات علمية مستدامة، ومأسسة الحوار بين المذاهب الإسلامية وترسيخه في الأوساط العلمية والفكرية.
ومن السمات الأخرى التي تميّز هذه الدورة السعي إلى الربط بين خطاب الوحدة ونماذجه العملية. فاختيار الشهيد اللواء سيد عبد الرحيم موسوي بوصفه شخصيةً سعت إلى تجسيد «الوحدة في الممارسة» في مجالات الإدارة والقيادة والتعامل بين مختلف القوى، يبيّن أنّ التقريب بين المذاهب ليس مفهوماً نظرياً محضاً، بل يمكن أن يتجلّى أيضاً في مجالات الحوكمة والإدارة الاجتماعية وتعزيز الانسجام الوطني. ومن شأن هذا المنظور أن ينقل المؤتمر من نطاق النقاشات النظرية البحتة إلى فضاء تقديم النماذج العملية للتقارب والتعاون.
ومن منظور الدبلوماسية العامة، تكتسب إقامة هذا المؤتمر أهميةً مضاعفة. ففي ظلّ ما يواجهه العالم الإسلامي من تحديات، من قبيل تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا، والنزاعات المذهبية، والحروب بالوكالة، واحتلال الأراضي الإسلامية، والتدخلات الخارجية، يمكن لاستمرار الحوار بين النخب الدينية والفكرية أن يسهم في تقليص الفجوات، وتعزيز الثقة المتبادلة، وصياغة خطاب مشترك في التعامل مع القضايا التي تهمّ الأمّة الإسلامية. وتزداد أهمية هذا الدور في البيئة الإعلامية المعاصرة، حيث أصبحت صناعة الرواية وتشكيل الصور الذهنية عاملاً حاسماً في توجيه الرأي العام.
كما أنّ تصميم شعار المؤتمر الدولي الأربعين، الذي يتمحور حول الكعبة المشرفة بوصفها قبلةً مشتركة للمسلمين، يحمل رسالة تتجاوز مجرد الهوية البصرية للمؤتمر. فاختيار هذا الرمز يسعى إلى تجسيد مفاهيم التوحيد والوحدة والمقاومة والاقتدار والتضامن الإسلامي ضمن لغة رمزية واحدة؛ وهو ما يمكن أن يسهم، في مجال الدبلوماسية الثقافية والاتصال الدولي، في تعزيز الوعي بالهوية المشتركة للمسلمين وإبراز عناصر الوحدة الجامعة بينهم.
وخلاصة القول، إنّ المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية، في المرحلة الراهنة، يتجاوز في أهميته كونه فعاليةً بروتوكولية أو مناسبةً احتفالية، ليشكّل ضرورةً استراتيجية للعالم الإسلامي. فاستمراره يتيح الحفاظ على قنوات التواصل بين النخب، وإنتاج المعرفة في مجال التقريب بين المذاهب، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحويل خطاب الوحدة من مستوى التنظير إلى مستوى الممارسة والتمثيل العملي.
ومن هذا المنطلق، فإنّ آلية انعقاد المؤتمر، وإن كانت بطبيعة الحال خاضعةً للظروف الداخلية للبلاد والاعتبارات التنفيذية والأمنية، تظلّ مسألةً ثانويةً قياساً إلى أهمية ضمان استمرارية المؤتمر نفسه؛ إذ تمثّل هذه الاستمرارية ضرورةً لا غنى عنها للحفاظ على حيوية خطاب الوحدة، وتعزيز التقارب بين أبناء الأمّة الإسلامية، وتطوير أدوات الدبلوماسية التقريبية، والاستجابة الفاعلة للتحولات المتسارعة والمعقّدة التي يشهدها العالم الإسلامي.
