حديث التقريب.. رسائل الشاعر الإيراني نظامي "گنجوي" الى العالم الإسلامي

حديث التقريب.. رسائل الشاعر الإيراني نظامي "گنجوي" الى العالم الإسلامي

اللغة الفارسية ليست لغة الفرس وحدهم إنما هي اللغة الثانية بعد اللغة العربية من لغات الدائرة الحضارية الإسلامية.. إن اللغة الفارسية لا يستغني عنها كل دارس للحضارة الإسلامية وللغة العربية والتاريخ الإسلامي.


في التقويم الايراني يوم الحادي عشر من شهر مارس (آذار) هو يوم الشاعر الكبير الحكيم "جمال الدين أبو محمد الياس بن يوسف بن زكي بن مؤيد"، الملقب بـ "النظامي الگنجوي"؛ وگنجوي نسبة الى مكان مولده ومربعه ومثواه وهي مدينة گنجه الواقعة في مقاطعة اران بجانب نهر ارس وهي الآن في جمهورية آذربايجان التي كانت جزءا من إيران ثم انفصلت عنها بسبب حوادث تاريخية.

فالرجل إيراني وكل ما خلفه لنا من تراث إنما هو باللغة الفارسية؛ وقد لد (الكنجوي) في النصف الأول من القرن السادس الهجري وتوفي في النصف الثاني من ذلك القرن.

وقبل أن نلقي ضوءأً على آثار هذا الشاعر الحكيم الكبير، نقول : إن اللغة الفارسية والأدب الفارسي هما من لغات وآداب دائرة الحضارة الإسلامية؛ اللغة الفارسية ليست لغة الفرس وحدهم إنما هي اللغة الثانية بعد اللغة العربية من لغات الدائرة الحضارية الإسلامية.

هذه الدائرة التي تضم الشعوب والقوميات من طنجة إلى جاركاتا على حد تعبير مالك بن نبي. وهذه الدائرة ذكرها هنتغتون أيضاً باعتبارها من الدوائر الحضارية العالمية وتحدث عن مستقبلها ومستقبل الصراع الحضاري في الساحة العالمية.

بعد ذلك نقول : إن اللغة الفارسية لا يستغني عنها كل دارس للحضارة الإسلامية وللغة العربية والتاريخ الإسلامي.

لقد أدرك الأدباء  والباحثون أهمية اللغة الفارسية لجيلنا العربي المعاصر، فتنادوا إلى الانفتاح على هذه اللغة وأذكر  منهم عند الوهاب عزام وطه حسين وسيد قطب، ولهذا دخلت هذه اللغة لتكون ضمن الفروع الدراسية في أغلب الجامعات العربية بل كلها.

ولابد في هذه المقدمة أن نذكر بأن الأدب الفارسي يتجه جلّه إلى مخاطبة العاطفة والعقل معا، وهذا ما نجده بوضوح أيضا في آثار الشاعر النظامي الگنجوي، ومن هنا لُقّب بالحكيم الذي هو لقب الفلاسفة في التراث.

آثار هذا الشاعر الحكيم تدلّ على اطلاعه على العلوم الإسلامية والتراث الإسلامي والأدب العربي وما وصلنا منه فهو ديوان شعر، ومجموعة شعرية تسمى (پنچ گنج = أي الكنوز الخمسة) وهي خمسة منظومات على وزن (المثنوي) أو المزدوج وهي :-
مخزن الأسرار
وخسرو وشيرين
وليلى ومجنون
وهفت گنبد أو القباب السبع
اسكندر نامه أو كتاب الاسكندر

مخزن الأسرار
هو أول مثنوي من الكنوز الخمسة ومن أمهات المثنويات الفارسية ويشتمل على المواعظ والحِكم في عشرين مقالة وكلها تستثير العاطفة والفكر لفهم أسرار الكون والحياة، ولتدفع نحو التدبر في آيات الآفاق والانفس، انطلاقاً من قوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.

المثنوي الثاني : خسرو وشيرين
وهما اسمان، الأول لملك ساساني من ملوك السلالات الحاكمة قبل الإسلام، والثانية (شيرين) لجارية أرمنية، وهي قصة غرام بين الاثنين ودخلت في كتب التراث الإسلامي مثل المحاسن والأضداد للجاحظ وغرر أخبار ملوك الفرس للثعالبي ووردت في ملحمة الشاهنامه – للفردوسي أيضًا.

وقد دخلت القصة في مراحل عديدة دخلت عليها بعض التغييرات حتى وصلت إلى النظامي الگنجوي، فصاغها صَياغة جديدة.

المثنوي الثالث من الكنوز الخمسة
ليلى والمجنون، وهي قصة مستلهمة من قصة عربية بين المجنون (وهو قيس بن الملوح بن مزاحم) من قبيلة بني عامر وليلى بنت سعد. أشار إلى هذه القصة ابن النديم، وذكرها ضمن الكتب التي دونت عن أشعار العرب في الجاهلية والإسلام.

كذلك ذكرها ابن قتيبة في (الشعر والشعراء) وأبو الفرج الاصفهاني في (الاغاني)، وابن نباته في (سرح العيون). وواضح أن النظامي لم يكن لهذه القصة مبتكرًا، لكنه تصرف فيها عند النظم لكي تكون منسجمة مع بيئته.

والمثنوي الآخر : هفت گنبد أو القباب السبع ويسمى أيضًا هفت پيكر أي الابنية السبعة
هذه المنظومة تدور حول الملك بهرام گور (أو بهرام الخامس الساساني)، والقصة معروفة في العصر الساساني (أي عصر ماقبل الإسلام) في هذه المنظومة يسرد النظامي قصة بهرام منذ طفولته وشبابه حتى وصوله الى السلطنة، ثم يدخل في قصة البنات السبع اللاتي دخلن في بلاط الملك وهنّ بنات ملوك الأقاليم السبع، وقد عمل لكل منهن قبة بلون خاص. وكان يحل كل ليلة في إحدى هذه القباب ويستمع إلى قصة من تلك العروس، وهي حكايات غريبة ولذيذة. ثم يذكر النظامي ما حلّ بهذا الملك وبسلطنته نتيجة الغفلة وهجوم ملك الصين على إيران، ثم انتباه بهرام من غفلته.

والمثنوي الخامس، اسكندرنامه (او كتاب الاسكندر)، ويضم قسمين شرفنامه تدور أبياته حول قصة الاسكندر من ولادته حتى فتوحاته وعودته إلى روما، وإقبال نامه تدور أبياته حول حكمة الاسكندر ومجالسه مع الحكماء. وفي اسكندرنامه يتابع ماجاء في شاهنامه الفردوسي بشأن الاسكندر.

أما ما ذكره النقاد بشأن النظامي فهو قولهم أنه من أركان الشعر الفارسي والاستاذ المتميز في هذا الشعر؛ وقالوا ان الشعر القصصي لم يبدأ بالنظامي في الأدب الفارسي لكنه الشاعر الوحيد الذي استطاع حتى نهاية القرن السادس أن يرتقي بهذا الشعر في اللغة الفارسية الى ذروة كماله.

ويقول عنه شبلي النعماني : إنه أول من استطاع أن يدخل الحكمة والفلسفة في فن النظم الأدبي، وأبعد قصائده عن المديح.

ولاطلاعه الواسع على النصوص العربية والعلوم، نجد آثار النظامي تكثر فيها المفردات والتراكيب العربية وأفكار الفلاسفة والعلوم المختلفة، مما جعل فهم نصوصه بحاجة الى شرح وتوضيح.

بعد ذلك نذكر ديوان الشاعر ويضم قصائد ومقطوعات تسمى بالغزليات، ومجموعها تشكل ديوانا، تفرّق بعد ذلك، وبقي منه قسم جمعه المرحوم وحيد دستگردي.

نال الحكيم نظامي شهرة عالمية وعقدت حوله ندوات وأجريت دراسات في اوربا وفي آسيا الوسطى، ولكنه لم يحظ بالاهتمام المطلوب في العالم العربي، ولعل ذلك يعود الى صعوبة نصوصه.

بقي أن نقول بأن النظامي لو قدّر له أن يوجه رسالة إلى عالمنا المعاصر، لقال : -
انني في الظروف الصعبة التي عشتها في القرن السادس، تركت لكم مخزن الاسرار في 2260 بيتاً وخسر وشيرين في 6500 بيت وليلى والمجنون في 4700 بيت هذا غير الديوان، ألا يبعث ذلك على استثارة همة المعاصرين لأن يواصلوا طريقة هذا السلف الصالح لا في كمية الأبيات فحسب بل وفي الأبداع والابتعاد عن التقليد.

ورسالته الأخرى هي إنه تواصل مع الفكر الإسلامي والأدب العربي، مما جعله من رجال التواصل الحضاري في تراثنا الإسلامي، ألا ينبغي للأدباء اليوم أن يستمروا في هذا التواصل لإحياء الدائرة الحضارية الإسلامية ودفعها للنتاج الحضاري على مستوى العصر؟

ورسالة أخرى خاصة بالعالم العربي مفادها أن للشاعر تفاعلاً مع الأدب العربي والتراث العربي، الا يستحق أن يكون هناك تفاعل مع أدب هذا الشعر اليوم في الأوساط العربية؟

المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية/
الشؤون الدولية