حديث التقريب ..
تجارب الماضي تضمن الطريق أمام المستقبل ؛ تقويم حالة الطائفية والتقريب في القرن العشرين
تجارب الماضي تضمن الطريق أمام المستقبل
تقويم حالة الطائفية والتقريب في القرن العشرين
نستطيع أن نلخص تجارب القرن الماضي فيما يتعلق بالنعرات الطائفية والتقريب بما يلي:
1- مصالح الحكم والسلطان لها الدور الكبير في الحالة الطائفية على صعيد العالم الإسلامي. قبل هذا القرن كانت مصالح الدول الإسلامية المتعارضة تقتضي إشعال نيران الطائفية، كما حدث إبان النزاع بين الدولتين العثمانية والصفوية، وفي هذا القرن اقتضت مصالح الهيمنة الدولية اللعب بورقة الطائفية، وهذا ما لاحظناه بوضوح أكثر في العقدين الأخيرين من القرن الماضي.
من هنا فإن الحالة الطائفية مرشحة في عالمنا الإسلامي للانفجار دومًا طالما القرار السياسي، بيد من يهمهم الاستفادة من هذه الورقة، ولايمكن أن نضمن ابتعاد أمتنا عن الصراع الطائفي إلا إذا كان القرار السياسي منحصرًا بيد قيادات وطنية مرتفعة إلى مستوى الأهداف الإسلامية الكبرى.
2 - لعلماء الأمة دور كبير في مواجهة الحالة الطائفية وتحويلها إلى حالة تقريب وتفاهم، شرط أن يتحرر العلماء من أية مؤثرات خارجية، وشرط أن ينفتحوا على الأهداف الكبرى ويتفهموا ضخامة التحديات، والقرن الماضي أثبت هذه الحقيقة على صعيد الإثارات الطائفية وعلى صعيد التقريب.
3 - الحالة الطائفية حالة عشائرية قبل أن تكون مسألة عقائدية أو فقهية . يتبين ذلك من ظواهر كثيرة: منها أن الصراع الطائفي يدور غالبًا بين أناس لا يعرفون من المذهب سوى الانتماء إلى العشيرة السنية أو العشيرة الشيعية!. وهذا ماشاهدناه في بعض البلدان العربية والآسيوية في القرن الماضي، والحالة العشائرية ناتجة عن تخلف حضاري، من هنا فإن أمتنا بحاجة إلى تنشيط مسيرتها الحضارية؛ للتغلب على هذه الحالة الطائفية العشائرية.
4 - إن تفعيل المسيرة الحضارية يتوقف على إحساسنا بالعزّة. فمتى كانت الأجواء السياسية والاجتماعية والاقتصادية تبعث على الشعور بالعزة في النفوس تحركت الأمة على طريق الخلق والإبداع والتطوير، ومتى خيم عليها الذل توقفت مسيرة إبداعها واتجهت إلى الانقسامات والصراعات. ولو أخذنا الساحة المصرية مثالًا لرأينا شيئًا من الإحساس بالعزة يسود الساحة بعد طرد نابليون في القرن التاسع عشر، وفي أيام عبد الناصر في القرن العشرين، وصاحب الحالتين حركة حضارية لولا أن أصابها ما أصابها لتغيرت حالة العالم العربي والإسلامي جميعًا. وإنما ذكرت ضرورة تفعيل المسيرة الحضارية وسيادة حالة العزة لارتباطها بالحالة الطائفية كما ذكرت.
5 - طرح المشروع الإسلامي الكبير للحياة يساهم بشكل غير مباشر على إزالة الحالة الطائفية في العالم الإسلامي، وبودي هنا أن أذكر أن مركز الحضارة للدراسات السياسية في القاهرة ــ على سبيل المثال ــ له مثل هذه المساهمة؛ لأنه يطرح المشروع الإسلامي الذي يجمع على صعيده الكبير المسلمين بكل مذاهبهم، ويشد أنظارهم جميعًا إلى هدف كبير ينتشلهم من الوقوع في مستنقع الصغائر، ومن قبل شاهدنا عالمًا شيعيًا نجفيًا هو السيد محمد باقر الصدر يصدر كتاب فلسفتنا وكتاب اقتصادنا، ولا يتناول فيهما أية قضية خلافية بين السنة والشيعة، ولكن الكتابين كان لهما الأثر الكبير في تقليص الحالة الطائفية، وتصعيد الحالة الإسلامية الرسالية المتعالية على الخلافات المذهبية، ولا يخفى ماكان للثورة الإسلامية في إيران قبل محاصرتها إعلاميًا من تأثير على وحدة الصف الإسلامي.. من هنا فإن تقديم المشروع الإسلامي الكامل للكون والحياة بلغة العصر وبمستوى احتياجات العصر له الدور الكبير في التقريب بين المذاهب الاسلامية.
6 - إن مشروع «إسلام بلا مذاهب» إضافة إلى استحالته لايخدم التراث الاسلامي، فالمذاهب إذا أخذناها بالمنظار العلمي يشكّل كلّ منها جهدًا اجتهاديًا عمل على تنظيره وإثرائه المتكلمون والفقهاء والمفسرون والفلاسفة، ولا فائدة من مصادرة كل هذه الجهود العلمية الجبارة. من هنا لابد أن يفكر دعاة الوحدة والتقريب في التفاهم والتعارف بين أصحاب المذاهب ويركزوا على المشتركات، ويجعلوا العلم ديدنهم والحقيقة هدفهم والحوار سبيلهم، وبذلك تتحول المذاهب من حالة طائفية عشائرية إلى مدارس علمية كل منها يثري التراث ويشكل إضافة علمية للمسيرة . لذلك لابد من الاهتمام بمراكز الأبحاث والدراسات المقارنة.
7 - ظهرت في أواخر القرن الماضي على الساحة السياسية العالمية والإسلامية ظواهر تبشر بخير لمستقبل وحدة الأمة الإسلامية.. فمن جهة قدمت أوروبا ذات التاريخ الغارق بالحروب والدماء والصراع بين دولها نموذجًا جيدًا وناجحًا في «الاتحاد» يستطيع أن يجيب على كل أسئلة التشكيك في إمكان وحدة العالم الإسلامي. ودخل العالم في عصر التكتلات الدولية التي تفرض على العالم الإسلامي نوعًا من التلاحم والتعاضد، من هنا ازداد الحديث عن ضرورة تفعيل منظمة التعاون الإسلامي والسوق الإسلامية المشتركة والتعاون الثقافي والإعلامي الإسلامي.
كما أن التحديات المشهودة في فلسطين والعراق وأفغانستان وبقاع أخرى من عالمنا الإسلامي، وظاهرة الانفراد بالهيمنة العالمية فرضت الحد الأقل من التفاهم والتعاون، ولابد أن يتواصل ويستمر وإلا تحول إلى مزيد من التمزق والتشتت.
ولا يخفى مالسيادة أجواء التفاهم على الساحة السياسية من أثر على الحالة الطائفية في العالم الإسلامي. ولا أدل على ذلك مما شاهدناها عقب بعض محاولات التنقية في الأجواء السياسية الإسلامية من تحول في الساحة الثقافية والعلمية والشعبية.
8 - إن ظاهرة الحوار التي سادت في أواخر القرن الماضي كان لها تأثير كبير في تقليص حالة التشرذم. وقد شهدنا نشاطًا ملحوظًا في حقل الحوار القومي - الإسلامي، والإسلامي - الإسلامي، والعربي - الإيراني، وحوار الثقافات، وكلها تنصب في خدمة تذويب الحالة الطائفية العشائرية في عالمنا الإسلامي.
سيكون التحدي الطائفي في القرن الواحد والعشرين دون شك كبيرًا؛ بسبب استفحال قوة الهيمنة العالمية واهتمامها بالورقة الطائفية حسب توصيات «هنتجتون»، لكن عوامل مواجهة التحدي من الكثرة والقوة في عالمنا الإسلامي بحيث إنها قادرة ــ لو أحسنّا استعمالها ــ أن تتغلب على كل هذه التحديات وتسجل مستقبلال أفضل للعالم الإسلامي.
المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
الشؤون الدولية
