[ 388 ] هناك من ناقش في ذلك مما ذكر مضافا إلى ان عدة من تلك الايات قد وردت في مقام الاحتجاج الظاهر في عموم الحكم أو استظهار كون اللام في الاية الاولى للعهد نظرا إلى تقدم ذكر الظن اولا على وجه التنكير مرادا به الظن المتعلق بالاصول وقد تقرر عندهم كون النكرة المعادة معرفة عين الاول فتعيين اللام للعهد موهون جدا وسياق الاية كالصريح في خلافه وورودها في مقام الاحتجاج ظاهر جدا في ارادة العموم كما يعرف ذلك من ملاحظة تطائرها كما إذا قلت فلان قتل مؤمنا متعمدا وان من قتل المؤمن متعمدا كان مخلدا في العذاب وفلان اعان ظالما ومن اعان الظالم سلطه الله عليه إلى غير ذلك وهو ظاهر والحاصل ان الظاهر عرفا عن الاية الشريفة هو ارادة الاستغراق أو الجنس الراجع إليه دون العهد والاحتجاج المذكور مبنى على الظاهر وقيام الاحتمال المرجوح لا يهدم الاستدلال بالظواهر ومنها ان مفاد هذه الروايات لا تزيد على الظن فلا يجوز الاستناد إليها في المقام اما اولا فلان هذه المسألة من عمدة مسائل الاصول فلا يصح الاتكال فيها على مجرد الظن واما ثانيا فلان قضية ظاهرها عدم حجية ظواهرها فلو صح العمل بتلك الظواهر لم يصح العمل بها وما يستلزم وجوده عدمه فهو بطاطل ويدفعهما إلى الظن الحاصل من ظاهر الكتاب من الظنون التى دل القاطع على حجيتها فلا مانع من الاتكال عليها والقول بعدم جواز الاستناد إلى الظن في المسائل الاصولية ولو من الظنون المفروضة من الاغلاط كما مر الكلام فيها مرارا وقضاء ظاهرها بعدم حجية ظاهرها انما يمنع من الاتكال عليها لو لم يقم دليل على استثناء من ظواهرها من الظاهر المذكور واما بعد قيام الدليل عليه كما هو مبنى الاحتجاج المذكور فلا مانع فيه اصلا ومع الغض عن ذلك نقول ان مفاد الظنون المذكورة عدم حجية الظن فلو كان الظن حجة لم يكن حجة فليس المقصود من الاحتجاج بتلك الظواهر الاتكال على الظن الحاصل منها في عدم حجية الظن حتى يرد انه إذا لو يصح الاتكال على الظن لم يصح الاتكال على الظن في ذلك ايضا بل المقصود انه لما قضى الدليل الظنى بعد حجية الظن قضى ثبوت الحجية بعدمها وما قضى وجوده بعدمه فهو باطل وقد يقال حينئذ ان المدعى حجية الظن في الفروع وما دل على عدم حجية الظن فانما هو في مسألة اصولية فلا يقضى القول بحجيتها عدمها وفيه انه يرجع الامر إلى ذلك في الفروع إذ ما له إلى الظن بعدم ثبوت الحكم الفرعي في شأننا من جهة الظن فلو كان الظن المتعلق بالفروع حجة لم يكن الظن بها حجة فتأمل ومنها ان الظن المذكور في الايات الشريفة لا يراد به العلم الراجح بل هو مرادف للتردد والشك والتخمين وضعفه ظاهر إذ لا داعى لحمل الظن على ذلك مع بعده عن ظاهر اللفظ في العرف واللغة والتزام التخصيص فيه لو حمل على معناه الظاهر نظرا إلى حجية ظنون خاصة قطعا بخلاف ما لو حمل على ذلك لا يقضي بالحمل عليه لوضوح ترجيح التخصيص مضافا إلى لزوم التخصيص مع الحمل عليه ايضا لجواز العمل في بعض صور الشك في الواقع كما إذا لم يفد البينة ظنا بالواقع ولم يحصل من الاستصحاب ظن ومنها ان مفاد هذه الايات عدم جحية الظن من حيث هو واما إذا قام الدليل القاطع على حجيته فليس الاتكال على الظن بل على القاطع الذى دل على الاخذ بمقتضاه ومفاد هذه الايات هو ما دل عليه العقل من عدم جواز الاتكال على مجرد الظن على حسب ما بيناه سابقا وحينئذ فلا ترتبط بالمدعى فان من يقول بحجية مطلق الظن انما يقول به من جهة قيام الدليل عليه كذلك فمفاد هذه الايات مما اتفق عليه القائلون بالظنون الخاصة والقائل بحجية مطلق الظن الا ان القائل بحجية مطلق الظن انما يقول به بعد اقامة الدليل عليه كذلك كالقائل بحجية الظنون الخاصة فلا دلالة في هذه الايات على ابطال شئ من الامرين ومنها ان هذه الايات عمومات وما دل على حجية ظن المجتهد ظن خاص قد قام الدليل القاطع على حجيته فلابد من تخصيص تلك العمومات وفى هذين الوجهين ما سيأتي الاشارة إليه انشاء الله تعالى وهناك ايرادات اخر على خصوص بعض تلك الايات منها ما اورد على الاية الاولى من ان المراد بالحق الثابت المعلوم فالمقصود ان المعلوم الثابت لا يترك بالمظنون إذ الظن لا يغنى عنه حتى يترك لاجله وهو حينئذ مما لا كلام فيه ولا يفيد عدم جواز التمسك بالظن مطلقا وفيه انه خلاف ما يستفاد من ظاهر الاية فانه الظاهر ان المراد بالحق هو الامر الثابت في الواقع والمراد بعدم اغناء الظن عنه عدم كونه طريقا موصلا كافيا في الحكم به وقد فسره بذلك الرازي في تفسيره أو انه يراد به العلم أي ان الظن لا يغنى من العلم شيئا ولا يقوم مقامه وقد فسره الطبرسي به في المجمع وعلى كل من الوجهين يفيد المقصود ومنها ما قد يورد على الاية الثانية من ان الظن هناك بمقتضى ظاهر الاية على حصرهم الامر في اتباع الظن فغاية الامر ان يدل الاية على لزوم تحصيل العلم في بعض المسائل وعدم جواز الاقتصار على الظن في الجميع ولا كلام لاحد فيه وفيه ان الظاهر سياق الاية هو الذم على اتباع الظن مطلقا وحملها على ارادة الحصر الحقيقي لا يخلو عن بعد بل قد يقطع بفساده على فرض حملها عليه فليس الذم واردا على خصوص الانحصار فيه بل ظاهر السياق كون اصل الذم على اتباع الظن وان كان انحصر الامر فيه اشنع كما تقول في مقام الذم لا يشغل فلا الا بالعصيان فانه يفيد شناعة اصل العصيان كما لا يخفى ومنها ما قد يورد على الاية الثالثة من انه لا عموم فيها حتى يشمل جميع الظنون غاية الامر دلالتها على عدم حجية بعض الظنون أو عدم حجية الظن مطلقا في بعض الاشياء ولا كلام فيه وايضا اقصى ما يستفاد من الاية عدم جواز اسناد الحكم إليه تعالى على سبيل الجزم مع حصول الظن به واما إذا ابرز الحكم على سبيل الظن كما هو الواقع فلا دلالة فيها على المنع من العمل به ويدفع الاول ان في الا طلاق كفاية في المقام سيما مع اشعاره بالغلبة بل ودلالته فيها والثانى انه لو جاز الافتاء على سبيل الظن جاز الحكم على وجه البت ايضا من غير تأمل لاحد فيه فإذا دلت الاية على المنع به دلت على المنع من الافتاء رأسا ومع المنع من الافتاء مطلقا لا يجوز العمل به إذ لا قائل بالفرق ومنها ما يورد على الاية الاخيرة وهو من وجوه احدها انها خطاب النبي صلى الله عليه وآله فلا يعم غيره ومن البين انه مكلف بالعمل بالوحى ولا يجوز له الاخذ بالظن نعم فيها دلالة على بطلان قول من يجوز عليه الاجتهاد وقد يجاب عنها تارة بان ما دل على وجوب التأسي قاض بجريان الحكم بالنسبة إلى امته ايضا كيف والاصل الاشتراك في التكاليف الا ان يعلم اختصاصه به ولذا حصرت خواصه في امور معينة واخرى بانه لا تأمل لاحد في شمول الحكم المذكور للامة اما لان الخطاب إليه خطاب لامته في الحقيقة حسبما هو متداول ________________________________________