[103] ذلك كلّ من اختبر نفسه عند انشاء شيء. فالوجدان اَصْدق شاهد على أنه عند ذكر هذه الصيغ بقصد الانشاء يوجد أمر، اعتباري، فقول القاضي «حكمت وقضيت بأن هذا المال لفلان» وكذلك قول العاقد «انكحت وزوجت فلانة من فلان» وهكذا قول الشاعر. «فياليت الشباب يعود يوماً» يوجد أمراً اعتبارياً لم يكن من قبل لا أنها كاشفات عن اُمور اعتبارية حصلت من قبل في نفس المتكلّم، ثمّ يخبر عنها بهذه الاُمور، ويكشف عن وجودها بهذه الألفاظ، وإن شئت اختبر نفسك عند انشاء بعض العقود تجد ما ذكرناه أمراً ظاهراً بيّنا. وثانياً : لو كان الانشاء ابراز الاعتبار النفساني كان كالخبر يحتمل الصدق والكذب، فإن القائلين بأن الانشاء لا يحتمل الصدق والكذب إنّما ذكروا ذلك لكونه أمراً ايجادياً، ومن الواضح أن الايجاد ليس حكاية عن شيء حتّى يقبل الصدق والكذب، وأمّا إذا قلنا أنه ابراز ما في الضمير والأخبار عن وجود الاعتبار في النفس، فهو كالخبر يحتمل الصدق والكذب، مع أنه خلاف المتفق عليه بينهم. إن قلت : بين الخبر والانشاء فرق واضح فإنه ليس في الانشاء وراء الاعتبار النفساني شيء في الخارج، ولكن في الأخبار وراءه شيء آخر. قلت : هذا الفرق غير فارق، فإنه إذا ذكر أمر ولم يطابق الأمر الثابت في النفس كان كذباً في إبرازه وإظهاره لا محالة، فكان المجري للصيغة بقوله «بعت» يقول إني اعتبرت في نفسي كون هذا المال لفلان في مقابل ذاك الثمن ومن الظاهر إن هذا أمر يحتمل الصدق والكذب، فإن كان الاعتبار موجوداً في نفسه كان صدقاً وإلاّ كان كذباً. وثالثاً : ـ وهو العمدة ـ أن حقيقة الانشاء ليست مجرد الاعتبار النفساني ولا مجرد الألفاظ، بل هو اعتبار عقلائي يوجد بأسبابه المعدّة له وبما دلّ عليه من