- روى البيهقي منقطعا عن علي بن أبي طالب وقال الحافظ المنذري : الأشبه عندي أنه من قول ذي النون المصري Bه عن أبي سليمان الداراني قال : سئل علي بن أبي طالب لم كان الوقوف بالجبل ولم يكن بالحرم ؟ فقال لأن الكعبة بيت الله والحرم باب الله فلما قصدوه وافدين أوقفهم بالباب يتضرعون قيل يا أمير المؤمنين فما معنى الوقوف بالمشعر الحرام ؟ فقال لما أذن لهم في الدخول إليه أوقفهم بالحجاب الثاني وهو المزدلفة فلما أن طال تضرعهم أذن لهم بتقريب قربانهم بمنى فلما أن قضوا تفثهم وقربوا قربانهم وتطهروا بها من الذنوب التي كانت عليهم أذن لهم بالزيارة إليه على الطهارة فقيل : يا أمير المؤمنين فمن أين حرم عليهم صيام أيام التشريق ؟ فقال لأن القوم زوار الله تعالى وهم في ضيافته ولا ينبغي للضيف أن يصوم بغير إذن رب المنزل الذي أضافهم فقيل : يا أمير المؤمنين فما تعلق الرجل بأستر الكعبة لأي معنى هو ؟ فقال : هو مثل الرجل إذا كان بينه وبين صاحبه جناية فيتعلق بثوبه ويتنصل إليه ويتخدع له ليهب له جنايته . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نأتي بالمناسك كلها كما وردت فنقدم ما قدم A ونؤخر ما أخر ولو خيرنا A اخترنا الكيفية التي فعلها هو في حجة الوداع وهي معروفة عندنا في كتب الأدلة سواء عقلنا الحكمة في التقديم أم لم نعقلها . فلا يقال لأي شيء إذا دخل الحجاج مكة طافوا بالبيت ثم يرجعون إلى عرفات التي هي طرف الحرم ثم يرجعون ثانيا لأنا نقول إنما نفعل ذلك اقتداء بأبينا آدم عليه السلام لما حج من الهند فكان اقتداؤنا به في الخروج من الحرم إلى خارجه ثم دخولنا ثانيا أولى مع أن العقل يقتضي بأن من وصل إلى حضرة الملك من أي طريق كان لا معنى لخروجه ثم دخوله ثانيا لأن الكعبة هي المقصود الأعظم مع أنا لم نعقل ذلك إلا بأمر الشارع لا بعقولنا فحكمنا حكم ما إذا كان في حضرة الملك جماعة ثم أرسل لهم الملك أن اخرجوا إلى حاجة كذا وكذا فإن من الأدب ذهابهم إلى تلك الحاجة فلو تخلفوا في الحضرة عصوا . وأيضا فإن من يأتي حضرات الملوك من غير طرقها المعتادة لا يحصل له من العلم ما يحصل لمن سلك الطريق التي دخل منها الأنبياء والأولياء . ولكن لا يخفى أن من رحمة الله تعالى وشفقته على عباده أنه أذن لهم أن يدخلوا مكة قبل الوقوف لما علم عندهم من شدة الشوق ليحصل لهم التبريد لبعض أشواقهم لا من كلها إذ الحق تعالى لا يبدي لهم ما يطيقونه من عظمته ويخلع لهم الخلع إلا إن وقفوا بعرفة أولا ثم بالمزدلفة ثانيا ثم بمنى ثالثا فلا يزال العبد يقرب من مكة وهو يزداد تعظيما لله تعالى حتى يدخل مكة والحرم فهناك يعرف كل أحد ربه بقدر مقامه فربما يكون أعلى مقام لنا في التعظيم يستغفر منه قوم آخرون .
وممن حجب عما قلنا الشيخ محي الدين بن العربي Bه مع وسع اطلاعه فقال الذي أقول به لا يجب على المعتمر الخروج لأدنى الحل ليحرم بالعمرة لأنه قد وصل إلى الحضرة التي هي محل القرب ولا معنى للخروج . قال : وأما قصة عائشة Bها فإنما أمرت بالخروج لأنها كانت آفاقية ثم نفست فأمرت بالقضاء على صورة ما فاتها اه والجمهور على خلافه .
فدر يا أخي مع السنة ولا تدر مع كشفك أو عقلك فإن الله تعالى إنما جعل الأجر والثواب والدرجات لمن كانت أعماله تبعا لما شرعه الله تعالى وكأن لسان حال الشارع يقول : من يأت من الأمة إلى حضرتي من تلك الطريق البعيدة طردته ولم أمكنه من شهودي .
وتأمل يا أخي شأن الحق تعالى تجده أقرب إلينا من حبل الوريد ومع ذلك أسدل الحجاب بيننا وبينه حتى أننا رأيناه من حيث التنزيه أبعد من كل شيء فلما صرنا كذلك أمرنا بالسلوك ثانيا كالذي كان في مكان بعيد ثم رجع إلى محل القرب الذي كان مقيما فيه أولا فلا نزال سالكين والحجب ترفع حتى نعود إلى محل بروزنا من حضرة القرب فلو طلبنا أن ندخل حضرة القرب من غير سلوك لم يصح لنا ذلك . وإيضاح ذلك أن تنظر يا أخي في حضرة الحق تعالى قبل أن يخلق المخلوقات كلها فتجد ليس هناك إلا الله تعالى ثم أنت ولا تقول بفناء الشاهد لأننا إذا نفينا أنفسنا فمن هناك يشهد الحضرة أو يتعقلها ؟ فافهم . فلا يزال الحق تعالى كلما خلق واحدا أخذ الواحد مكانا في شهودك وبعد الحق في وهمك إذ لا حلول ولا اتحاد فلا تزال دائرة الخلق تتسع في الشهود وتنبسط بتكثر أفراد الوجود شيء بعد شيء ودائرة الحق تعالى تضيق في شهودك حتى لا تكاد ترى الحق تعالى أبدا لأنك إنما تشاهد خلقا حتى أن بعضهم لما اتسعت عليه الدائرة عطل فخسر الدارين فإنه ما زال يشهد دائرة الخلق تتسع وكل شيء وقف عقله عليه من جبل أو بحر أو فضاء يقول له نور الإيمان فما وراء ذلك فإذا قال سماء أو بحرا أو جبلا أو فضاء قال له : فما وراء ذلك ؟ فلما تاهت عقول المنزهين لله تعالى هذا التوهان أوجب الله تعالى عليهم السلوك بأعمال مخصوصة أرسل الله بها رسله إليهم وقال إن طلبتم القرب من حضرتي من غير باب ما شرعته لكم لا تزدادون من حضرتي إلا بعدا فقالوا سمعا وطاعة فلا زالوا يعملون بالشريعة ودائرة الخلق تضيق بنقص أفرادها التي تكثر بها الوجود واحد بعد واحد ودائرة الحق تتسع حتى يرجعوا إلى الحال الأول فلا يرون إلا الله . فلا يقال فلأي شيء ما أوقف الله تعالى عباده في الحضرة التي شردوا عنها أولا وأغناهم عن هذا التعب . لأنا نقول ما سبق العلم أن يكون الرقي في الدرجات إلا على هذا الحكم ولا يقال في سبق العلم لم ؟ بل من الأدب أن العبد يتطلب الحكمة في ذلك من الله تعالى فإذا أطلعه على الحكمة رأى أن ما فعله الحق بعباده أكمل في وجوه المعارف وتأمل حكمة الإسراء به A إلى الأفلاك العلى تعثر على ما أومأنا إليه . { والله عليم حكيم }