- روى البزار والطبراني وابن حبان في صحيحه مرفوعا في حديث طويل : [ [ وإذا رمى الجمار لا يدري أحد ما له حتى يتوفاه الله يوم القيامة ] ] . وفي رواية لابن حبان : [ [ وأما رميك للجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات ] ] . قلت : ويصح تنزيل ذلك على الخواطر السبعة التي ذكرها الشيخ محي الدين فإن كل خاطر منها كبيرة بلا شك . والله تعالى أعلم .
وروى الطبراني ] ] أن رجلا قال : يا رسول الله ما لنا في رمي الجمار ؟ فقال : تجد ذلك عند ربك أحوج ما تكون إليه ] ] .
وروى ابن خزيمة في صحيحه والحاكم واللفظ له وقال إنه على شرط الشيخين مرفوعا : [ [ لما أتى إبراهيم خليل الله إلى المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ] ] . قال ابن عباس : الشيطان ترجمون وملة أبيكم إبراهيم تتبعون .
وروى الطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا يا رسول الله هذه الجمار التي ترمى كل سنة فنحسب أنها تنقص فقال : [ [ ما تقبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتموها مثل الجبال ] ] . قال الحافظ المنذري : وفي إسناده يزيد بن سنان وهو مختلف في توثيقه . قلت : ومجموع الحصى كل سنة ستمائة ألف حصاة مضروبة في سبعين فيكون كل حصاة من حصى الرامين كل سنة مضروبة في سبعين بستمائة ألف . وإيضاح ذلك أن الله تعالى وعد البيت كل سنة أن يحجه ستمائة ألف فصدق A في قوله : [ [ ولولا ذلك لرأيتموها مثل الجبال ] ] . يعنى على طول السنين . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نبادر لرمي الجمار إيمانا حتى تنكشف لنا حكمتها جهارا ولذلك قال A لمن قال له : [ [ يا رسول الله ما لنا في رمي الجمار فقال : تجد ذلك عند ربك أحوج ما تكون إليه ] ] . لما علم أن السائل لا يتعقل حكمتها وربما امتحن الحق تعالى عباده في أمرهم بما لا يتعقلون حكمته كرمي الجمار وتقبيل الحجر الأسود وكإضافته إلى نفسه تعالى ما يحيله العقل بدليله كالنزول إلى سماء الدنيا وغير ذلك من آيات الصفات وأخبارها لينظر كيف يعملون ؟ هل يؤمنون بما أضافه الحق تعالى إلى نفسه على ألسنة رسله وإن لم يتعقلوه ؟ أم يردون ذلك على الرسل أو يقبلونه لكن بعد تحريفه بالتأويل عن مواضعه فيفوتهم الإيمان الكامل كما يقع فيه غالب الناس فيخافون أن يكذبوا الرسل فتضرب أعناقهم ويخافون أن يقبلوا آيات الصفات على ظاهرها فيقعون في التشبيه فلذلك رأوا التأويل أحسن عندهم لأنه طريق وسطي بين طريقين وإنما قلنا فاتهم كمال الإيمان دون فوات الإيمان كله لأنه لولا آمنوا به ما اشتغلوا بتأويله ولكانوا يرونه لغيرهم .
فاعمل يا أخي بأوامر الحق على الوجه المشروع سواء أعقلت معناها أم لم تعقل وسيأتي في الأحاديث ما يشير إلى الحكمة .
وذكر الشيخ محي الدين في باب الحج من الفتوحات ما نصه : إنما كان حصى الرمي سبعا لأن الشيطان يأتي الرامي هناك بسبع خواطر لا بد من ذلك فيرمي كل خاطر بحصاة ومعنى التكبير عند كل حصاة الله أكبر من هذه النسبة التي أتانا بها الشيطان وأطال في ذلك ثم قال : فإذا أتاك بخاطر الشبهة بالإمكان للذات فارمه بحصاة الافتقار إلى المرجح وهو أنه واجب الوجود لنفسه . وإن أتاك بأنه جوهر فارمه بالحصاة الثانية وهو دليل الافتقار إلى التحيز والوجود بالغير . وإن أتاك بخاطر الجسمية فارمه بحصاة الافتقار إلى الأداة والتركيب والإبعاض . وإن أتاك بالعرضية فارمه بحصاة الافتقار إلى المحل والحدوث بعد أن لم يكن . وإن أتاك بالعلية وهي دليل مساواة المعلول له في الوجود فارمه بالحصاة الخامسة وهي : [ [ وكان الله ولا شيء معه ] ] . وإن أتاك بالطبيعة فارمه بالحصاة السادسة وهي دليل نسبة الكثرة إليه وافتقار كل واحد من آحاد الطبيعة إلى الأمر الآخر في الاجتماع به إلى إيجاد الأجسام الطبيعية فإن الطبيعة مجموع فاعلين ومفعولين حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة ولا يصح اجتماعها لذاتها ولا افتراقها لذاتها ولا وجود لها إلا في عين الحار والبارد والرطب واليابس . وإن أتاك بالعدم وقال لك فإذا لم يكن الحق هذا ولا هذا من جميع ما تقدم فما ثم شيء فارمه بالحصاة السابعة وهي دليل آثاره في الممكن ومعلوم أن العدم لا تأثير له وهو كلام نفيس .
فاعمل يا أخي برياضة نفسك على يد شيخ مرشد حتى تصير تحس هذه الخواطر الشيطانية وترى وتنظر وتسمع من أتاك بها فترميه على الكشف واليقين وإلا فارمها على وجه الإيمان بها وكذلك تعرف من طريق الكشف ما يقبل من حصاك وما يرد فتأخذ في إزالة تلك الصفة التي كانت سببا لعدم قبول رميك فترسلها وتتوب منها فإن من لم يتقبل عمله كأنه ما عمل شيئا : [ [ فإن لم يصبها وابل فطل ] ] . { والله غفور رحيم }