وقد جرت أمثال هذه الأوصاف على اليهود مفرقة في سورة البقرة : ( وأوفوا بعهدي . ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . ماله في الآخرة من خلاق . ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ) . فعلمنا أنهم المراد بذلك هنا . وقد بينا هنالك وجه تسمية دينهم بالعهد وبالميثاق في مواضع لأن موسى عاهدهم على العمل به وبينا معاني هذه الأوصاف والأخبار .
ومعنى ( ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) غضبه عليهم إذ قد شاع نفي الكلام في الكناية عن الغضب وشاع استعمال النظر في الإقبال والعناية ونفي النظر في الغضب فالنظر المنفي هنا نظر خاص . وهاتان الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقي .
وقوله ( ولا يزكيهم ) أي لا يطهرهم من الذنوب ولا يقلعون عن آثامهم لأن من بلغ من رقة الديانة إلى حد أن يشتري بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا فقد بلغ الغاية القصوى في الجرأة على الله فكيف يرجى له صلاح بعد ذلك ويحتمل أن يكون المعنى ولا ينميهم أي لا يكثر حظوظهم في الخيرات .
وفي مجيء هذا الوعيد عقب الصلة وهي يشترون بعهد الله الآية إيذان بأن من شابههم في هذه الصفات فهو لاحق بهم حتى ظن بعض السلف أن هذه الآية نزلت فيمن حلف يمينا باطلة وكل يظن أنها نزلت فيما يعرفه من قصة يمين فاجرة ففي البخاري عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله A : " من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " فأنزل الله تصديق ذلك : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ) الآية فدخل الأشعث بن قيس وقال : " ما يحدثكم أبو عبد الرحمن " قلنا : كذا وكذا . قال " في أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي " فقال لي رسول الله A : بينتك أو يمينك قلت : إذن يحلف فقال رسول الله : من حلف على يمين صبر الحديث .
وفي البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى : أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) الآية .
وفي عن ابن عباس أنه قرأ هاته الآية في قصة وجبت فيها يمين لرد دعوى .
( وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون [ 78 ] ) أي من اليهود طائفة تخيل للمسلمين أشياء أنها مما جاء في التوراة وليست كذلك إما في الاعتذار عن بعض أفعالهم الذميمة كقولهم : ليس علينا في الأميين سبيل وإما للتخليط على المسلمين حتى يشككوهم فيما يخالف ذلك مما ذكره القرآن أو لإدخال الشك عليهم في بعض ما نزل به القرآن فاللي مجمل ولكنه مبين بقوله ( لتحسبوه من الكتاب ) وقوله ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) .
واللي في الأصل : الإراغة أي إدارة الجسم غير المتصلب إلى غير الصوب الذي هو ممتد إليه : فمن ذلك لي الحبل ولي العنان للفرس لإدارته إلى جهة غير صوب سيره ومنه لي لاعنق ولي الرأس بمعنى الالتفات الشزر أو الإعراض قال تعالى ( لووا رؤوسهم ) .
واللذي في هذه الآية يحتمل أن يكون حقيقة بمعنى تحريف اللسان عن طريق حرف من حروف الهجاء إلى طريق حرف آخر يقاربه لتعطي الكلمة في أذن السامع جرس كلمة أخرى وهذا مثل ما حكى الله عنهم في قولهم ( راعنا ) وفي الحديث من قولهم في السلام على النبي " السام عليك " أي الموت أو " السلام بكسر السين عليك " وهذا اللي يشابه الإشمام والاختلاس ومنه إمالة الألف إلى الياء وقد تتغير الكلمات بالترقيق والتفخيم وباختلاف صفات الحروف والظاهر أن الكتاب التوراة فلعلهم كانوا إذا قرؤوا بعض التوراة بالعربية نطقوا بحروف من كلماتها بين بين ليوهموا المسلمين معنى غير المعنى المراد وقد كانت لهم مقدرة ومراس في هذا .
وقريب من هذا ما ذكره المبرد في الكامل أن بعض الأزارقة أعاد بيت عمر ابن أبي ربيعة في مجلس بن عباس .
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيحضر A E