وحرف ( في ) هنا للتعليل . وإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات تعين تقدير مضاف مجرور بحرف ( في ) والتقدير في معاملة الأميين .
ومعنى ليس علينا في الأميين سبيل ليس علينا في أكل حقوقهم حرج ولا إثم فتعليق الحكم بالأميين أي ذواتهم مراد منه أعلق أحوالهم بالغرض الذي سيق له الكلام .
فالسبيل هنا طريق المؤاخذة ثم أطلق السبيل في كلام العرب مجازا مشهورا على المؤاخذة قال تعالى ( ما على المحسنين من سبيل ) وقال ( إنما السبيل على الذين يستأذنونك ) وربما عبر عنه العرب بالطريق قال حميد بن ثور : .
وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح موجود علي طريق وقصدهم من ذلك أن يحقروا المسلمين ويتطاولوا بما أتوه من معرفة القراءة والكتابة من قبلهم . أو أرادوا الأميين بمعرفة التوراة أي الجاهلين : كناية عن كونهم ليسوا من أتباع دين موسى عليه السلام .
وأياما كان فقد أنبأ هذا عن خلق عجيب فيهم وهو استخفافهم بحقوق المخالفين لهم في الدين واستباحة ظلمهم مع اعتقادهم أن الجاهل أو الأمي جدير بأن يدحض حقه . والظاهر أن الذي جرأهم على هذا سوء فهمهم في التوراة فإن التوراة ذكرت أحكاما فرقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق غير أن ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الخامس عشر " في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرئ كل صاحب دين يده مما أقرض صاحبه . الأجنبي تطالب وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئه " وجاء في الإصحاح 23 منه " لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام وللأجنبي تقرض بربا " ولكن شتان بين الحقوق والمؤاساة فإن تحريم الربا إنما كان لقصد المؤاساة والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملة الواحدة . وعن ابن الكلبي قالت اليهود : الأموال كلها كانت لنا فما في أيدي العرب منها فهو لنا وإنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم . وهذان الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من المسلمين فاستحل بعضهم حقوق أهل الذمة وتأولوها بأنهم صاروا أهل حرب في حين لا حرب ولا ضرب .
وقد كذبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال ( ويقولون على الله الكذب ) قال المفسرون : إنهم ادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم . وروي عن سعيد بن جبير أنه لما نزل قوله تعالى ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه إلى قوله وهم يعلمون ) قال النبي A : ( كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر .
وقوله ( وهم يعلمون ) حال أي يتعمدون الكذب : إما لأنهم علموا أن ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه صحيح وإما لأن التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب إذ الشبهة الضعيفة كالعهد .
و ( بلى ) حرف جواب وهو مختص بإبطال النفي فهو هنا لإبطال قولهم ( ليس علينا في الأميين سبيل ) .
و ( بلى ) غير مختصة بجواب استفهام المنفي بل يجاب بها عن قصد الإبطال وأكثر مواقعها في جواب الاستفهام المنفي وجيء في الجواب بحكم عام ليشمل المقصود وغيره : توفيرا للمعنى وقصدا في اللفظ فقال ( من أوفى بعهده ) أي لم يخن لأن الأمانة عهد و ( اتقى ) ربه فلم يدحض حق غيره ( فإن الله يحب المتقين ) أي الموصوفين بالتقوى والمقصود نفي محبة الله عن ضد المذكور بقرينة المقام .
( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [ 77 ] ) مناسبة هذه الآية لما قبلها أن في خيانة الأمانة إبطالا للعهد وللحلف الذي بينهم وبين المسلمين وقريش . والكلام استئناف قصد منه ذكر الخلق الجامع لشتات مساوئ أهل الكتاب من اليهود دعا إليه قوله ودت طائفة من أهل الكتاب وما بعده .
A E