وهذه الصفة في محل الذم فإن الله أنزل كتبه للهدى والهدى بها متوقف على إظهارها وإعلانها فمن فرقها ليظهر بعضا ويخفي بعضا فقد خالف مراد الله منها . فأما لو جعلوه قراطيس لغير هذا المقصد لما كان فعلهم مذموما كما كتب المسلمون القرآن في أجزاء منفصلة لقصد الاستعانة على القراءة وكذلك كتابة الألواح في الكتاتيب لمصلحة .
وفي جامع العتبية في سماع ابن القاسم عن مالك " سئل مالك C عن القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف فكره ذلك كراهية شديدة وعابها وقال لا يفرق القرآن وقد جمعه الله وهؤلاء يفرقونه ولا أرى ذلك . آ ه . قال ابن رشد في البيان والتحصيل : القرآن أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء حتى كمل واجتمع جملة واحدة فوجب أن يحافظ على كونه مجموعا فهذا وجه كراهية مالك لتفريقه . اه .
قلت : ولعله إنما كره ذلك خشية أن يكون ذلك ذريعة إلى تفرق أجزاء المصحف الواحد فيقع بعضها في يد بعض المسلمين فيظن أن ذلك الجزء هو القرآن كله ومعنى قول مالك : وقد جمعه الله أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بجمعه بعد أن نزل منجما فدل ذلك على أن الله أراد جمعه فلا يفرق أجزاء . وقد أجاز فقهاء المذهب تجزئة القرآن للتعلم ومس جزئه على غير وضوء ومنه كتابته في الألواح .
وقوله ( وعلمتم ما لم تعلموا ) في موضع الحال من كلام مقدر دل عليه قوة الاستفهام لأنه في قوة أخبروني فإن الاستفهام يتضمن معنى الفعل .
ووقوع الاستفهام بالاسم الدال على طلب تعيين فاعل الإنزال يقوي معنى الفعل في الاستفهام إذ تضمن اسم الاستفهام فعلا وفاعلا مستفهما عنهما أي أخبروني عن ذلك وقد علمكم الله بالقرآن الذي أنكرتم كونه من عند الله احتججتم على إنكار ذلك بنفي أن ينزل الله على بشر شيئا ولو أنصفتم لوجدتم وأمارة نزوله من عند الله ثابتة فيه غير محتاج معها للاستدلال عليه . وهذا الخطاب أشد انطباقا على المشركين لأنهم لم يكونوا عالمين بأخبار الأنبياء وأحوال التشريع ونظامه فلما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام علم ذلك من آمن علما راسخا وعلم ذلك من بقي على كفره بما يحصل لهم من سماع القرآن عند الدعوة ومن مخاليطهم من المسلمين وقد وصفهم الله بمثلها في آيات أخرى كقوله تعالى ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ) .
ويجوز أن تكون جملة ( وعلمتم ) عطفا على جملة ( أنزل الكتاب ) على اعتبار المعنى كأنه قيل : وعلمكم ما لم تعلموا .
ووجه بناء فعل ( علمتم ) للمجهول ظهور الفاعل ولأنه سيقول ( قل الله ) .
فإا تأولنا الآية بما روي من قصة مالك بن الصيف المتقدمة فالاستفهام بقوله ( من أنزل الكتاب ) تقريري إما لإبطال ظاهر كلامهم من جحد تنزيل كتاب على بشر على طريقة إفحام المناظر بإبداء ما في كلامه من لوازم الفساد مثل فساد اطراد التعريف أو انعكاسه ؛ وإما لإبطال مقصودهم من إنكار رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بطريقة الإلزام لأنهم أظهروا أن رسالة محمد E كالشيء المحال فقيل لهم على سبيل التقرير ( من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) ولا يسعهم إلا أن يقولوا : الله فإذا اعترفوا بذلك فالذي أنزل على موسى كتابا لم لا ينزل على محمد مثله كما قال تعالى ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) الآية .
ثم على هذا القول تكون قراءة ( تجعلونه قراطيس ) بالفوقية جارية على الظاهر وقراءته بالتحية من قبيل الالتفات . ونكتته أنهم لما أخبر عنهم بهذا الفعل الشنيع جعلوا كالغائبين عن مقام الخطاب .
والمخاطب بقوله ( وعلمتم ) على هذا الوجه هم اليهود فتكون الجملة حالا من ضمير ( تجعلونه ) أي تجعلونه قراطيس تخفون بعضها في حال أن الله علمكم على لسان محمد ما لم تكونوا تعلمون ويكون ذلك من تمام الكلام المعترض به .
ويجيء على قراءة ( يجعلونه قراطيس ) بالتحتية أن يكون الرجوع إلى الخطاب بعد الغيبة التفاتا أيضا . وحسنه أنه لما أخبر عنهم بشيء حسن عاد إلى مقام الخطاب أو لأن مقام الخطاب أنسب بالامتنان .
A E