والمراد ب ( شيء ) هنا شيء من الوحي ولذلك أمر الله نبيه بأن يفحمهم باستفهام تقرير وإلجاء بقوله ( من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) فذكرهم بأمر لا يستطيعون جحده لتواتره في بلاد العرب وهو رسالة موسى ومجيئه بالتوراة وهي تدرس بين اليهود في البلد المجاور مكة واليهود يترددون على مكة في التجارة وغيرها وأهل مكة يترددون على يثرب وما حولها وفيها اليهود وأحبارهم وبهذا لم يذكرهم الله برسالة إبراهيم عليه السلام لأنهم كانوا يجهلون أن الله أنزل عليه صحفا فكان قد يتطرقه اختلاف في كيفية رسالته ونبوءته . وإذا كان ذلك لا يسع إنكاره كما اقتضاه الجواب آخر الآية بقوله ( قل الله ) فقد ثبت أن الله أنزل على أحد من البشر كتابا فانتقض قولهم ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) على حسب قاعدة نقض السالبة الكلية بموجبة جزئية . وافتتح بالأمر بالقول للاهتمام بهذا الإفحام وإلا فإن القرآن كله مأمور النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله .
والنور : استعارة للوضوح والحق فإن الحق يشبه بالنور كما يشبه الباطل بالظلمة . قال أبو القاسم علي التنوخي : .
وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع ولذلك عطف عليه ( هدى ) . ونظيره قوله في سورة المائدة ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) . ولو أطلق النور على سبب الهدى لصح لولا هذا العطف كما قال تعالى عن القرآن ( ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) .
وقد انتصب ( نورا ) على الحال .
والمراد بالناس اليهود أي ليهديهم فالتعريف فيه للاستغراق إلا أنه استغراق عرفي أي الناس الذين هم قومه بنو إسرائيل .
وقوله ( تجعلونه قراطيس ) يجوز أن يكون صفة سببية للكتاب ويجوز أن يكون معترضا بين المتعاطفات .
قرأ ( تجعلونه وتبدون وتخفون ) بتاء الخطاب من عدا ابن كثير وأبا عمرو ويعقوب من العشرة فإما أن يكون الخطاب لغير المشركين إذ الظاهر أن ليس لهم عمل في الكتاب الذي أنزل على موسى ولا باشروا إبداء بعضه وإخفاء بعضه فتعين أن يكون خطابا لليهود على طريقة الإدماج " أي الخروج من خطاب إلى غيره " تعريضا باليهود وإسماعا لهم وإن لم يكونوا حاضرين من باب إياك أعني واسمعي يا جارة أو هو التفات من طريق الغيبة الذي هو مقتضى المقام إلى طريق الخطاب . وحقه أن يقال يجعلونه بياء المضارع للغائب كما قرأ غير هؤلاء الثلاثة القراء . وإما أن يكون خطابا للمشركين . ومعنى كونهم يجعلون كتاب موسى قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها أنهم سألوا اليهود عن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم فقرأوا لهم ما في التوراة من التمسك بالسبت أي دين اليهود وكتموا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يأتي من بعد فأسند الإخفاء والإبداء إلى المشركين مجازا لأنهم كانوا مظهرا من مظاهر ذلك الإخفاء والإبداء . ولعل ذلك صدر من اليهود بعد أن دخل الإسلام المدينة وأسلم من أسلم من الأوس والخزرج فعلم اليهود وبال عاقبة ذلك عليهم فأعزوا المشركين بما يزيدهم تصميما على المعارضة . وقد قدمت ما يرجح أن سورة الأنعام نزلت في آخر مدة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وذلك يوجب ظننا بأن هذه المدة كانت مبدأ مداخلة اليهود لقريش في مقاومة الدعوة الإسلامية بمكة حين بلغت إلى المدينة .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ( يجعلونه ويبدونها ويخفون ) بالتحتية فتكون ضمائر الغيبة عائدة إلى معروف عند المتكلم وهو يهود الزمان الذين عرفوا بذلك .
والقراطيس جمع قرطاس . وقد تقدم عند قوله تعالى ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ) في هذه السورة . وهو الصحيفة من أي شيء كانت من رق أو كاغد أو خرقة . أي تجعلون الكتاب الذي أنزل على موسى أوراقا متفرقة قصدا لإظهار بعضها وإخفاء بعض آخر .
وقوله ( تبدونها وتخفون كثيرا ) صفة لقراطيس أي تبدون بعضها وتخفون كثيرا منها ففهم أن المعنى تجعلونه قراطيس لغرض إبداء بعض وإخفاء بعض .
A E