وجود واو العطف في مصدر هذه الجملة ينادي على أنها نزلت متناسقة مع الجمل التي قبلها وأنها وإياها واردتان في غرض واحد هو إبطال مزاعم المشركين فهذا عطف على جملة ( فإن يكفر بها هؤلاء ) وأنها ليست ابتدائية في غرض آخر . فواو الضمير في قوله ( قدروا ) عائد على ما عاد إليه اسم الإشارة في قوله ( هؤلاء ) كما علمت آنفا . ذلك أن المشركين لما استشعروا نهوض الحجة عليهم في نزول القرآن بأنه ليس بدعا مما نزل على الرسل ودحض قولهم ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) توغلوا في المكابرة والجحود فقالوا ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) وتجاهلوا ما كانوا يقولونه عن إبراهيم عليه السلام وما يعلمونه من رسالة موسى عليه السلام وكتابه . فروى الطبري عن ابن عباس ومجاهد : أن قائل ذلك هم المشركون من قريش .
وقد جاءت هذه الآية في هذا الموقع كالنتيجة لما قبلها من ذكر الأنبياء وما جاءوا به من الهدى والشرائع والكتب فلا جرم أن الذين قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء قد جاءوا إفكا وزورا وأنكروا ما هو معلوم في أجيال البشر بالتواتر . وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في قوله ( وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ) . ومن أئمة التفسير من جعل هذا حكاية لقول بعض اليهود واختلفوا في أنه معين أو غير معين فعن ابن عباس أيضا وسعيد ابن جبير والحسن والسدي : أن قائل ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) بعض اليهود . وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة أن قائل ذلك مالك بن الصيف القرظي وكان من أحبار اليهود بالمدينة وكان سمينا وأنه جاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين " فغضب وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء . وعن السدي : أن قائله فنحاص اليهودي . ومحمل ذلك كله على أن قائل ذلك منهم قاله جهلا بما في كتبهم فهو من عامتهم أو قاله لجاجا وعنادا . وأحسب أن هذه الروايات هي التي ألجأت رواتها إلى ادعاء أن هذه الآيات نزلت بالمدينة كما تقدم في الكلام على أول هذه السورة .
وعليه يكون وقع هذه الآيات في هذا الموقع لمناسبة قوله ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب ) الآية وتكون الجملة كالمعترضة في خلال إبطال حجاج المشركين . وحقيق ( قدروا ) عينوا القدر وضبطوه أي علموه علما عن تحقق .
والقدر بفتح فسكون مقياس الشيء وضابطه ويستعمل مجازا في علم الأمر بكنهه وفي تدبير الأمر . يقال : قدر القوم أمرهم يقدرونه بضم الدال في المضارع أي ضبطوه ودبروه . وفي الحديث قول عائشة " فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن " . وهو هنا مجاز في العلم الصحيح أي ما عرفوا الله حق معرفته وما علموا شأنه وتصرفاته حق العلم بها فانتصب ( حق ) على النيابة عن المفعول المطلق لإضافته إلى المصدر وهو ( قدره ) والإضافة هنا من إضافة الصفة إلى الموصوف . والأصل : ما قدروا الله قدره الحق .
و ( إذ قالوا ) ظرف أي ما قدروه حين قالوا ( ما أنزل الله ) لأنهم لما نفوا شأنا عظيما من شؤون الله وهو شأن هديه الناس وإبلاغهم مراده بواسطة الرسل قد جهلوا ما يفضي إلى الجهل بصفة من صفات الله تعالى التي هي صفة الكلام وجهلوا رحمته للناس ولطفه بهم .
ومقالهم هذا يعم جميع البشر لوقوع النكرة في سياق النفي لنفي الجنس ويعم جميع ما أنزل باقترانه ب ( من ) في حيز النفي للدلالة على استغراق الجنس أيضا ويعم إنزال الله تعالى الوحي على البشر بنفي المتعلق بهذين العمومين .
A E