والهاء في قوله ( اقتده ) ساكنة عند جمهور القراء فهي هاء السكت التي تجلب عند الوقف على الفعل المعتل اللام إذا حذفت لامه للجازم وهي تثبت في الوقف وتحذف في الوصل وقد ثبتت في المصحف لأنهم كانوا يكتبون أواخر الكلم على مراعاة حال الوقف . وقد أثبتها جمهور القراء في الوصل وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف وهو وارد في الكلام الفصيح . والأحسن للقارئ أن يقف عليها جريا على الأفصح فجمهور القراء أثبتوها ساكنة ما عدا رواية هشام عن ابن عامر فقد حركها بالكسر ووجه أبو علي الفارسي هذه القراءة بأنها تجعل الهاء ضمير مصدر ( اقتد ) أي اقتد الاقتداء وليست هاء السكت فهي كالهاء في قوله تعالى ( عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) أي لا أعذب ذلك العذاب أحدا . وقرأ حمزة والكسائي وخلف بحذف الهاء في حالة الوصل على القياس الغالب .
( قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين [ 90 ] ) استئناف عقب به ذلك البيان العظيم الجامع لأحوال كثير من الأمم . والإيماء إلى نبوءة جمع من الأنبياء والصالحين وبيان طريقة الجدل في تأييد الدين وأنه ما جاء إلا كما جاءت ملل تلك الرسل فلذلك ذيله الله بأمر رسوله أن يذكر قومه بأنه يذكرهم . كما ذكرت الرسل أقوامهم وأنه ما جاء إلا بالنصح لهم كما جاءت الرسل . وافتتح الكلام بفعل ( قل ) للتنبيه على أهميته كما تقدم في هذه السورة غير مرة . وقدم ذلك بقوله ( لا أسألكم عليه أجرا ) أي لست طالب نفع لنفسي على إبلاغ القرآن ليكون ذلك تنبيها للاستدلال على صدقه لأنه لو كان يريد لنفسه نفعا لصانعهم ووافقهم . قال في الكشاف في سورة هود عند قوله تعالى حكاية عن هود ( يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على ا لذي فطرني أفلا تعقلون ) . ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول لأن شأنهم النصيحة والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع وما دام يتوهم شيء منها لم تنفع ولم تنجع اه .
قلت : وحكى الله عن نوح مثل هذا في قوله في سورة هود ( ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله ) . وقال لرسوله أيضا في سورة الشورى ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) . فليس المقصود من قوله ( لا أسألكم عليه أجرا ) رد اعتقاد معتقد أو نفي تهمة قيلت ولكن المقصود به الاعتبار ولفت النظر إلى محض نصح الرسول A في رسالته وأنها لنفع الناس لا يجر منها نفعا إلى نفسه .
والضمير في قوله ( عليه ) وقوله ( إن هو ) راجع إلى معروف في الأذهان ؛ فإن معرفة المقصود من الضمير مغنية عن ذكر المعاد مثل قوله تعالى ( حتى توارت بالحجاب ) وكما في حديث عمر في خبر إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم " فنزل صاحبي الانصاري يوم نوبته فضرب بأبي ضربا شديدا فقال : أثم هو " . الخ . والتقدير : لا أسألكم على التبليغ أو الدعاء أجرا وما دعائي وتبليغي إلا ذكرى بالقرآن وغيره من الأقوال .
والذكرى اسم مصدر الذكر بالكسر وهو ضد النسيان وتقدم آنفا . والمراد بها هنا ذكر التوحيد والبعث والثواب والعقاب .
وجعل الدعوة ذكرى للعالمين لأن دعوته صلى الله عليه وسلم عامة لسائر الناس .
وقد أشعر هذا بأن انتفاء سؤال الأجر عليه لسببين : أحدهما أنه ذكرى لهم ونصح لنفعهم فليس محتاجا لجزاء منهم ثانيهما أنه ذكرى لغيرهم من الناس وليس خاصا بهم .
( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [ 91 ] ) A E