وأرى أن أصل الاستدلال لهذا أن الله تعالى إذا ذكر في كتابه أو أوحى إلى رسوله E حكاية حكم من الشرائع السابقة في مقام التنويه بذلك والامتنان ولم يقارنه ما يدل على أنه شرع للتشديد على أصحابه عقوبة لهم ولا ما يدل على عدم العمل به فإن ذلك يدل على أن الله تعالى يريد من ا لمسلمين العمل بمثله إذا لم يكن من أحكام الإسلام ما يخالفه ولا من أصوله ما يأباه مثل أصل التيسير ولا يقتضي القياس على حكم إسلامي ما يناقض حكما من شرائع من قبلنا . ولا حجة في الآيات التي فيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع من قبله مثل هذه الآية ومثل قوله تعالى ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) ومثل قوله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) لأن المقصود من ذلك أصول الديانة وأسس التشريع التي لا تختلف فيها الشرائع فمن استدل بقوله تعالى ( فبهداهم اقتده ) فاستدلاله ضعيف . قال الغزالي في المستصفى " أراد بالهدى التوحيد ودلالة الأدلة العقلية على الواحدانية والصفات لأنه تعالى أمره بالاقتداء بهداهم فلو كان المراد بالهدى شرائعهم لكان أمرا بشرائع مختلفة وناسخة ومنسوخة فدل أنه أراد الهدى المشترك بين جميعهم " اه . ومعنى هذا أن الآية لا تقوم حجة على المخالف فلا مانع من أن يكون فيها استئناس لمن رأى حجية شرع من قبلنا على الصفات التي ذكرتها آنفا . وفي صحيح البخاري في تفسير سورة ص عن العوام قال : سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال : سألت ابن عباس من أين سجدت " أي من أي دليل أخذت أن تسجد في هذه الآية يريد أنها حكاية عن سجود داود وليس فيها صيغة أمر السجود " فقال " أوما تقرأ ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به فسجدها داود فسجدها رسول الله " .
والمذاهب في هذه المسألة أربعة : المذهب الأول مذهب مالك فيما حكاه ابن بكير وعبد الوهاب والقرافي ونسبوه إلى أكثر أصحاب مالك : أن شرائع من قبلنا تكون أحكاما لنا لأن الله أبلغها إلينا . والحجة على ذلك ما يثبت في الصحاح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الربيع بنت النضر حين كسرت ثنية جارية عمدا أن تكسر ثنيتها فراجعته أمها وقالت : والله لا تكسر ثنية الربيع فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " كتاب الله القصاص " وليس في كتاب الله حكم القصاص في السن إلا ما حكاه عن شرع التوراة بقوله ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله والسن بالسن ) . وما في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول في كتابه ( أقم الصلاة لذكري ) وإنما قاله الله حكاية عن خطابه لموسى عليه السلام وبظاهر هذه الآية لأن الهدى مصدر مضاف فظاهره العموم ولا يسلم كون السياق مخصصا له كما ذهب إليه الغزالي . ونقل علماء المالكية عن أصحاب أبي حنيفة مثل هذا . وكذلك نقل عنهم ابن حزم في كتابه الإعراب في الحيرة والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس . وفي توضيح صدر الشريعة حكايته عن جماعة من أصحابهم ولم يعينه . ونقله القرطبي عن كثير من أصحاب الشافعي . وهو منقول في كتب الحنفية عن عامة أصحاب الشافعي .
المذهب الثاني : ذهب أكثر الشافعية والظاهرية : أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا . واحتجوا بقوله تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) . ونسب القرطبي هذا القول للكثير من أصحاب مالك وأصحاب الشافعي . وفي توضيح صدر الشريعة نسبة مثل هذا القول لجماعة من أصحابهم .
الثالث : إنما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم عليه السلام لقوله تعالى ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) . ولم أقف على تعيين من نسب إليه هذا القول .
الرابع : لا يلزم إلا اتباع شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها . ولم أقف على تعيين صاحب هذا القول . قال ابن رشد في المقدمات : وهذا أضعف الأقوال .
A E