التقريب في فكر العلّامة الطباطبائي؛
من الأخوّة الإنسانية إلى الوحدة الإيمانية
لا يمكن النظر إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية في فكر العلّامة الطباطبائي على أنه مجرد توصية أخلاقية للحدّ من الخلافات المذهبية، أو دعوة سياسية إلى تقارب المسلمين. فمن خلال التأمل في مجمل آثاره، ولا سيما مباحثه الاجتماعية والتفسيرية في الميزان، يمكن الحديث عن نموذج يقوم فيه التقريب على منظومة متماسكة من العلاقات الإنسانية والدينية والمذهبية والإيمانية. وفي هذه المنظومة، لا تبدأ الوحدة من نقطة واحدة لتصل مباشرة إلى العلاقة بين المذاهب، بل تنطلق من مستويات أكثر أساسية في الحياة الإنسانية، ثم تنتهي في مراتبها العليا إلى التقارب الإيماني.
وتكمن أهمية هذا التصور في أن الإنسان، قبل أن يكون عضواً في مجتمع ديني أو تابعاً لمذهب بعينه، يمتلك ـ من حيث إنسانيته ـ كرامة ومكانة ذات أساس إلهي. فالعلّامة الطباطبائي، انطلاقاً من مفهوم الخلافة الإلهية للإنسان، يمنح الوجود الإنساني منزلة تتجاوز التقسيمات القومية والعرقية والمذهبية. ومن هذا المنظور، تمثل الأخوّة الإنسانية المستوى الأول الذي يتيح قيام علاقات اجتماعية سليمة. فالتقريب في هذه المرتبة لا يعني نفي الاختلافات، وإنما الاعتراف بالكرامة المشتركة بين البشر والحيلولة دون تحول الاختلافات إلى نزاع.
وفي المستوى التالي، يتسع نطاق هذه الرابطة من العلاقات الإنسانية إلى العلاقة بين الأديان الإلهية. فالأديان الإلهية، في رؤية العلّامة، تستند في أصولها إلى حقيقة إلهية واحدة، ومن ثم لا يمكن فهمها بوصفها منظومات منفصلة تماماً ولا صلة بينها. وعلى هذا الأساس، ينبغي ألا تُفسَّر الاختلافات بين الأديان على نحو يؤدي إلى إلغاء أصل الوحدة في مصدرها الإلهي. وهنا يكتسب مفهوم النبوة العامة أهمية خاصة؛ إذ إن الهداية الإلهية، وفق هذا التصور، ليست أمراً مقصوراً على قوم أو أرض أو مرحلة تاريخية بعينها، بل يأتي الأنبياء جميعاً في امتداد مشروع إلهي واحد لهداية الإنسان.
غير أن التقريب بين الأديان ليس نهاية هذا المسار. ففي المرتبة الثالثة تبرز مسألة المذاهب الإسلامية. وفي هذا المستوى، يشكل الاشتراك في الأصول والانتماء إلى تقليد ديني واحد أرضية لقيام الوحدة داخل الأمة الإسلامية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى منهج العلّامة الطباطبائي في الميزان بوصفه ذا قابلية واضحة للتقريب؛ فهو، مع التزامه الصريح بالأسس التفسيرية والكلامية للتشيع، لا يعتمد في تعامله مع سائر الآراء الإسلامية خطاباً قائماً على المنازعة فحسب، بل يقرّ بإمكان الحوار انطلاقاً من المشتركات والأصول الأساسية.
وفي هذه المرحلة، تمثل النبوة الخاصة حلقة الوصل التي تجمع المجتمع الإسلامي؛ إذ يشترك المسلمون، على الرغم من اختلافاتهم المذهبية، في الإيمان برسول الإسلام(ص)، والقرآن، وأساس الشريعة الإسلامية. ومن ثم، لا ينبغي فهم وحدة المذاهب على أنها تعني توحيد المعتقدات أو إلغاء الحدود الهوياتية للمذاهب. فالتقريب بهذا المعنى يمثل آلية لإدارة الاختلاف داخل منظومة مشتركة؛ وهو اختلاف يمكن أن يظل قائماً، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة اجتماعية أو عداوة بين المسلمين.
أما المرتبة الرابعة فهي الوحدة الإيمانية؛ وهي مرتبة تتجاوز الروابط الإنسانية والدينية العامة لتصل إلى أعمق مستويات الاشتراك بين المؤمنين. وهنا يتمثل المحور في الإيمان والولاية الإلهية، وفي المنظومة العقدية الشيعية تكتسب مكانة أهل البيت(ع) أهمية خاصة. ومن هذا المنظور، لا تمثل الرابطة الإيمانية مجرد اشتراك نظري، بل تنشئ نوعاً أعمق من العلاقة بين المؤمنين، يمكن أن يشكل أساساً لتضامنهم الديني والاجتماعي.
ومن خلال الجمع بين هذه المستويات الأربعة، يمكن الوصول إلى ملاحظة أساسية، هي أن التقريب في فكر العلّامة الطباطبائي ذو بنية طولية وتشكيكية؛ أي إن مستوياته المختلفة ليست منفصلة عن بعضها ولا مقطوعة الصلة فيما بينها، بل تستند كل مرتبة إلى المرتبة السابقة عليها. فالأخوّة الإنسانية تهيئ لفهم التعايش بين الأديان، والتقارب بين الأديان الإلهية يعزز مقومات وحدة المجتمع الإسلامي، كما يمكن لوحدة المذاهب أن تفضي، في مستوى أعلى، إلى التضامن الإيماني. ويظل محور الولاية الإلهية قاسماً مشتركاً بين هذه المستويات جميعاً.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يتجاوز بمسألة التقريب حدود المشروع السياسي أو التفاعلات البينية فحسب، ويجعلها جزءاً من المنظومة الفكرية للعلّامة في رؤيته للإنسان والهداية والمجتمع وعلاقة الإنسان بالله تعالى. وفي هذا الإطار، لا يعني التقريب تجاهل الاختلافات، وإنما يعني اكتشاف النسبة الصحيحة بين «الاختلاف» و«الوحدة». كما أن الوحدة لا تتحقق بإلغاء الاختلافات، بل بإدراجها ضمن منظومة أوسع من المشتركات الإنسانية والدينية والإسلامية والإيمانية.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن من أبرز إمكانات فكر العلّامة الطباطبائي بالنسبة إلى خطاب التقريب أنه يقدم نموذجاً تصبح فيه الأخوّة الإنسانية، والتقارب بين الأديان، ووحدة المذاهب، والوحدة الإيمانية أربع مراحل ضمن شبكة واحدة من العلاقات والروابط. ويمكن لهذا التصور أن يكتسب أهمية في مشروع التقريب المعاصر أيضاً؛ إذ يبيّن أن الحوار بين المسلمين يكون أكثر رسوخاً حين يستند إلى أسس أخلاقية ولاهوتية أعمق، ولا يتعامل مع الوحدة المذهبية بمعزل عن مسألة كرامة الإنسان، والتقاليد الدينية المشتركة، والإيمان بالله تعالى.
وبناءً على ذلك، فإن إعادة قراءة فكر العلّامة الطباطبائي من منظور التقريب لا تقتصر على استخراج بعض العبارات المتعلقة بوحدة الشيعة والسنة، بل يمكن أن تفضي إلى إعادة بناء نسق مفاهيمي للتقريب؛ نسق يبدأ من كرامة الإنسان، ويمرّ بالاشتراك في الأديان الإلهية، ويتخذ في وحدة الأمة الإسلامية شكلاً اجتماعياً، ثم يبلغ في أرقى مراتبه التقارب الإيماني القائم على محور الولاية الإلهية ومكانة أهل البيت(ع). ويمكن لمثل هذه القراءة أن توفر أساساً نظرياً للانتقال من التقريب الشِعاري إلى تقريب منهجي ذي معنى وفاعلية.
