[ 68 ] قد أقبل، ودخل على خديجة (1) وهي تحت حجابها، وقال: يا خديجة أين عقلك ؟ وأين سوددك ؟ أنا لم أرض لك بالملوك، ورددتهم كبرا عليهم، وترضين الآن لنفسك بصبي صغير فقير يتيم ليس له مال أبدا، قد كان لك أجيرا، وهذا اليوم يكون لك بعلا ؟ لا كان ذلك أبدا، والآن إن قبلتيه لاعلينك بهذا السيف، واليوم لا شك فيه تسفك الدماء، ونهض على قدميه وخرج كأنه مجنون حتى وقف على صدر المجلس وقال: يا معاشر العرب، ويا ذوي المعالي والرتب، اشهدكم على أني لم أرض محمدا لابنتي بعلا، ولو دفع لي وزن جبل أبي قبيس ذهبا، فما بيني وبينه إلا السيوف، فما مثلي من يخدع بشرب المدام، ثم قال: ولو أنها قالت: نعم لعلوتها * بشفرة حد (2) للجماجم فاصل فمن رام تزويج ابنتي بمحمد * وإن رضيت يا قوم لست بقابل قال: فلما سمع أعمام النبي صلى الله عليه واله كلامه والحاضرون قال حمزة لاخيه أبي طالب مع إخوته: ما بقي للجلوس موضع، قوموا بنا (3)، فبينا هم في ذلك إذ أقبلت جارية لخديجة، وأشارت إلى أبي طالب فقام معها، ووقف أبو طالب خلف الحجاب، فسلمت عليه خديجة، وقالت: نعمت صباحا ومساء، يا سيد الحرم، لا تغتر بشقشقة أبي، فإنه ينصلح بشئ قليل، ثم أعطته كيسا فيه ألفا دينار، وقالت: يا سيدي خذ هذا وسر به إليه، كأنك تعاتبه وصبه في حجره، فإنه يرضى، فسار أبو طالب والناس حاضرون، وقال له: يا خويلد ادن مني، قال: لا أدنو منك أبدا، قال: يا خويلد إنه كلام تسمعه، فإن لم يرضك فما أحد يقهرك، وفتح (4) أبو طالب الكيس وصبه في حجر خويلد، وقال له: هذه عطية من ابن أخي لك، غير مهر ابنتك، فلما رأى خويلد المال انطفت ناره، وأقبل ووقف في ________________________________________ (1) وقد صار معها خلق كثير خ. (2) عضب خ ل. قلت: حد السكين: تشحذت ورق حدها. والحد من السيف: مقطعه. و العضب: السيف القاطع. (3) زاد في المصدر: فما بقى قعود عند ثارات الفتن. (4) في المصدر: ثم دنا من أبي طالب، ففتح. ________________________________________