سهم الفقراء قال أصحابنا لا يجوز صرف الزكاة إلى غني من سهم الفقراء والمساكين ولا إلى قادر على كسب يليق به يحصل له منه كفايته وكفاية عياله وسبق بيان هذا في فصل سهم الفقراء وأما الصرف إليه من غير سهم الفقراء والمساكين مع الغني فيجوز إلى العامل والغازي والغارم لذات البين والمؤلف ولا يجوز إعطاء المكاتب مع الغني ولا ابن السبيل إن كان غنيا هنا ولا يضر غناه في موضع آخر كما سبق ولا يعطي الغارم لمصلحة نفسه مع الغنى على أصح القولين كما سبق وأما القدرة على الكسب فتمنع إعطاء الفقير والمسكين كما سبق وأما باقي الأصناف فيعطون مع القدرة على الكسب بلا خلاف لأنهم مضطرون في الحال إلى ما يأخذون بخلاف الفقراء والمساكين وفي الغارم لمصلحة نفسه والمكاتب وجه شاذ ضعيف أنهما لا يعطيان إذا قدرا على الكسب وقد سبق بيانه في فصليهما والله أعلم قال المصنف رحمه الله تعالى ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من الأقارب والزوجات من سهم الفقراء لأن ذلك إنما جعل للحاجة ولا حاجة بهم مع وجوب النفقة الشرح هذا الذي ذكره متفق عليه عندنا وقد اختصر المصنف هذه المسألة وهي مبسوطة في كتب الأصحاب أكمل بسط وأنا أنقل فيها عيون ما ذكروه إن شاء الله تعالى قال أصحابنا لا يجوز للإنسان أن يدفع إلى ولده ولا والده الذي يلزمه نفقته من سهم الفقراء والمساكين لعلتين إحداهما أنه غني بنفقته والثانية أنه بالدفع إليه يجاب إلى نفسه نفعا وهو منع وجوب النفقة عليه قال أصحابنا ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة إذا كانا بهذه الصفة ولا يجوز أن يدفع إليه من سهم المؤلفة إن كان ممن يلزمه نفقته لأن نفعه يعود إليه وهو إسقاط النفقة فإن كان ممن لا يلزمه نفقته جاز دفعه إليه وأما سهم ابن السبيل فالمذهب أنه إذا كان من أبناء السبيل أعطاه من النفقة ما يزيد على نفقة الحضر ويعطيه المركوب والحمولة لأن هذا لا يلزم المنفق ولا يعطيه قدر نفقة الحضر لأنها لازمة وبهذا قطع كثيرون من الأصحاب أو أكثرهم والثاني وبه قطع المحاملي لا يعطيه شيئا من النفقة بل يعطيه الحمولة لأن نفقته واجبة عليه في الحضر والسفر والحمولة ليست بواجبة في السفر قال أصحابنا المتقدمون له أن يعطي ولده ووالده من سهم العامل إذا كان عاملا كما قدمناه قال القاضي أبو الفتوح من أصحابنا هذا لا يصح لأنه لا يتصور أن يعطى العامل شيئا من زكاته قال صاحب الشامل أراد الأصحاب إذا كان الدافع هو الإمام فله أن يعطي ولد رب المال ووالده من سهم العامل إذا كان عاملا من زكاة والده وولده هذا كله إذا كان الذي يعطيه هو الذي يلزمه نفقته فلو أعطاه غيره فقد أطلق الخراسانيون فيه وجهين أصحهما لا يعطى لأنه مستغن بالنفقة الواجبة له على قريبه وأما إذا كان الولد أو الوالد فقيرا مسكينا وقلنا في بعض الأحوال لا تجب نفقته فيجوز لوالده وولده دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء والمساكين بلا خلاف لأنه حينئذ كالأجنبي وأما الزوجة فإن أعطاها غير الزوج من سهم الفقراء والمساكين ففيها الوجهان كالولد والوالد والأصح لا يجوز وأما الزوج فقطع العراقيون بأنه لا يجوز له أن يعطيها شيئا من سهم الفقراء والمساكين وقال الخراسانيون فيه الوجهان كالأجنبي لأنه لا يدفع النفقة عن نفسه بل نفقتها عوض لازم سواء كانت غنية أم فقيرة كما لو استأجر فقيرا فإن له صرف الزكاة إليه مع الأجرة والصحيح طريقة العراقيين وعليها التفريع وقد سبقت هذه المسألة بفروعها مستقصاة في سهم الفقراء والله تعالى أعلم قال المصنف رحمه الله تعالى فإن دفع الإمام الزكاة إلى من ظاهره الفقر ثم بان أنه غني لم يجزىء ذلك عن الفرض فإن كان باقيا استرجع ودفع إلى فقير وإن كان فانيا أخذ البدل وصرفه إلى فقير فإن لم يكن للمدفوع إليه مال لم يجب على رب المال ضمانه لأنه قد سقط عنه الفرض بالدفع إلى الإمام ولا يجب على الإمام لأنه أمين غير مفرط فهو كالمال الذي تلف في يد الوكيل وإن كان الذي دفع رب المال فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة لم يكن له أن يرجع لأنه قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع فإذا ادعى الزكاة متهما فلم يقبل قوله ويخالف الإمام فإن الظاهر من حاله إنه لا يدفع إلا الزكاة فثبت له الرجوع وإن كان قد بين إنها زكاة رجع فيها إن كانت باقية وفي بدلها إن كانت فانية فإن لم يكن للمدفوع مال فهل يضمن رب المال الزكاة فيه قولان أحدهما لا يضمن لأنه دفع إليه بالإجتهاد فهو كالإمام والثاني يضمن لأنه كان يمكنه أن يسقط الفرض بيقين بأن يدفعه إلى الإمام فإذا فرق بنفسه فقد فرط فلزمه الضمان بخلاف الإمام وإن دفع الزكاة إلى رجل ظنه مسلما فكان كافرا أو إلى رجل ظنه حرا فكان عبدا فالمذهب إن حكمه حكم ما لو دفع إلى رجل ظنه فقيرا فكان غنيا ومن أصحابنا من قال يجب الضمان ههنا قولا واحدا لأن حال الكافر والعبد لا يخفى فكان مفرطا في الدفع إليهما وحال الغني قد يخفى فلم يكن مفرطا الشرح قال أصحابنا إذا دفع رب المال الزكاة إلى الإمام ودفعها الإمام إلى من ظاهره الفقر فبان غنيا لم يجز عن الزكاة فيسترجع منه المدفوع سواء بين الإمام حال الدفع أنها زكاة أم لا والظاهر من الإمام إنه لا يدفع تطوعا ولا يدفع إلا واجبا من زكاة واجبة أو كفارة أو نذر أو غير ذلك فإن تلف فبدله ويصرف إلى غيره فإن تعذر الاسترجاع من القابض لم يجب الضمان على الإمام ولا على رب المال لما ذكره المصنف وإن بان المدفوع إليه عبدا أو كافرا أو هاشميا أو مطلبيا فلا ضمان على رب المال وهل يجب على الإمام فيه ثلاث طرق أصحها فيه قولان أصحهما لا ضمان عليه والثاني يضمن والطريق الثاني يضمن قطعا لتفريطه فإن هؤلاء لا يخفون إلا بإهمال والثالث لا يضمن قطعا لأنه أمين ولم يتعمد هذا كله إذا فرق الإمام فلو فرق رب المال فبان المدفوع إليه غنيا لم يجز عن الفرض فإن لم يكن بين أنها زكاة لم يرجع وإن بين رجع في عينها فإن تلفت ففي بدلها فإذا قبضه صرفه إلى فقير آخر فإن تعذر الاسترجاع فهل يجب الضمان والإخراج ثانيا على المالك فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما وهو الجديد يجب والقديم لا يجب والقولان جاريان سواء بين وتعذر الاسترجاع أم لم يبين ومنعنا الاسترجاع ولو دفعها رب المال إلى من ظنه مستحقا فبان عبدا أو كافرا أو هاشميا أو مطلبيا وجب الاسترجاع فإن استرجع أخرجه إلى فقير آخر فإن تعذر الاسترجاع فطريقان مشهوران ذكر المصنف دليلهما المذهب أنها لا تجزئه ويلزمه الإخراج ثانيا ولو دفع إليه سهم الغازي والمؤلف فبان أمره فهو كمن بان عبدا ذكره القاضي أبو الفتوح وحكاه صاحب البيان عنه قال البغوي وغيره وحكم الكفارة وزكاة الفطر فيما لو بان المدفوع إليه غير مستحق حكم الزكاة في جميع ما ذكرناه وإذا كان المدفوع إليه عبدا تعلق الغرم بذمته لا برقبته ذكره البغوي والرافعي وغيرهما لأنه واجب وجب عليه برضى مستحقه والقاعدة أن ما لزمه برضى مستحقة تعلق بذمته لا برقبته والله تعالى أعلم قال المصنف رحمه الله تعالى ومن وجبت عليه الزكاة وتمكن من أدائها فلم يفعل حتى مات وجب قضاء ذلك من تركته لأنه حق مال لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمي فإن اجتمع الزكاة ودين الآدمي ولم يتسع المال للجميع ففيه ثلاثة أقوال أحدها يقدم دين الآدمي لأن مبناه على التشديد والتأكيد وحق الله تعالى مبني على التخفيف ولهذا لو وجب عليه قتل قصاص وقتل ردة قدم قتل القصاص والثاني تقدم الزكاة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحج فدين الله أحق أن يقضى والثالث يقسم بينهما لأنهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء الشرح هذا الحديث في صحيحي البخاري ومسلم من رواية ابن عباس رضي الله عنهما في الصوم أن رجلا قال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها فقال صلى الله عليه وسلم لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضى وقول المصنف حق مال احتراز من الصلاة وقوله لزمه في حال الحياة احتراز ممن مات قبل الحول أما أحكام الفصل فمن وجبت عليه زكاة وتمكن من أدائها فمات قبل أدائها عصى ووجب إخراجها من تركته عندنا بلا خلاف وبه قال جمهور العلماء وقال أبو حنيفة تسقط عنه الزكاة بالموت وهو مذهب عجيب فإنهم يقولون الزكاة تجب على التراخي وتسقط بالموت وهذا طريق إلى سقوطها ودليلنا ما ذكره المصنف وإذا اجتمع في تركة الميت دين لله تعالى ودين لآدمي كزكاة وكفارة ونذر وجزاء صيد وغير ذلك ففيه ثلاثة أقوال مشهورة ذكرها المصنف بأدلتها أصحها يقدم دين الله تعالى والثاني دين الآدمي والثالث يستويان فتوزع عليهما بنسبتهما وحكى بعض الخراسانيين طريقا آخر أن الزكاة المتعلقة بالعين تقدم قطعا وإنما الأقوال في الكفارات وغيرها مما يسترسل في الذمة مع حقوق الآدمي وقد تكون الزكاة من هذا القبيل بأن يكون له مال فيتلف بعد الحول والإمكان ثم يموت وله تركة فالزكاة هنا متعلقة بالذمة ففيها الأقوال وأجابوا عن حجة من قدم دين الآدمي وقياسه على قتل الردة وقطع السرقة بأنه إنما قدمنا حق الآدمي هناك لاندراج حق الله تعالى في ضمنه وحصول مقصوده وهو إعدام نفس المرتد ويد السارق وقد حصل بخلاف الديون ولأن الحدود مبنية على الدرء والإسقاط بخلاف حقوق الله تعالى المالية والله تعالى أعلم فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها قال الصيمري وصاحب البيان حكاية عنه كان الشافعي رضي الله عنه في القديم يمسي ما يؤخذ من الماشية صدقة ومن المعشرات عشرا ومن النقدين زكاة فقط ثم رجع عنه في الجديد وقال يسمى الجميع صدقة وزكاة وذكر البيهقي بابا في قسم الصدقات من سننه ترجمته باب الأعلب على أفواه العامة أن في التمر العشر وفي الماشية الصدقة وفي الورق الزكاة قال وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كله صدقة قال الشافعي والعرب تقول له صدقة وزكاة ومعناهما عندهم واحد ثم ذكر البيهقي رحمه الله تعالى حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيم دون خمس أواق صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة رواه البخاري ومسلم وحديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من رجل يموت فيترك غنما أو إبلا أو بقرا لم يؤد زكاتها إلا جاءت أعظم ما يكون تطؤه بأظلافها الحديث رواه البخاري ومسلم وحديث عتاب بن أسيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى من زكاة النخل تمرا وهذا الحديث سبق بيانه في أول زكاة الثمار فهذه الأحاديث كلها تبطل القول بالفرق والله تعالى أعلم الثانية إذا دفع المالك أو غيره الزكاة إلى المستحق ولم يقل هي زكاة ولا تكلم بشيء أصلا أجزأه ووقع زكاة هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور وقد صرح بالمسألة إمام الحرمين في باب تعجيل الزكاة وآخرون وهي مفهومة من تفاريع الأصحاب وكلامهم وفي كلام المصنف في هذا الباب وغيره مواضع كثيرة مصرحة بذلك منها قوله في هذا الفصل الأخير إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان غنيا فإن لم يبين عند الدفع إنها زكاة لم يرجع واستعمل مثل هذا في مواضع من باب تعجيل الزكاة وغيره وكذلك الأصحاب وقال القاضي أبو القاسم بن كج في آخر قسم الصدقات من كتابه التجريد إذا دفع الزكاة إلى الإمام أو الفقير لا يحتاج أن يقول بلسانه شيئا قال وقال أبو علي بن أبي هريرة لا بد من أن يقول بلسانه كالهبة وهذا ليس بشيء فنبهت عليه لئلا يغتر به والله تعالى أعلم قال صاحب البحر لو دفع الزكاة إلى فقير والدافع غير عارف بالمدفوع بأن كان مشدودا في خرقة ونحوها لا يعلم جنسه وقدره وتلف في يد المسكين ففي سقوط الزكاة احتمالان لأن معرفة القابض لا تشترط فكذا معرفة الدافع هذا كلامه والأظهر الإجزاء الثالثة قال الغزالي في الإحياء يسأل الآخذ دافع الزكاة عن قدرها فيأخذ بعض الثمن بحيث يبقى من الثمن ما يدفعه إلى اثنين من صنفه فإن دفع إليه الثمن بكماله حرم عليه أخذه قال وهذا السؤال واجب في أكثر الناس فإنهم لا يراعون هذا إما لجهل وإما لتساهل وإنما يجوز ترك السؤال عن مثل هذا إذا لم يغلب على الظن احتمال التحريم الرابعة الأفضل في الزكاة إظهار إخراجها ليراه غيره فيعمل عمله ولئلا يساء الظن به وهذا كما أن الصلاة المفروضة يستحب إظهارها وإنما يستحب الإخفاء في نوافل الصلاة والصوم الخامسة قال الدارمي في الإستذكار إذا أخر تفريق الزكاة إلى السنة الثانية فمن كان فقيرا أو مسكينا أو غارما أو مكاتبا من سنته إلى السنة الثانية خصوا بصدقة الماضي وشاركوا غيرهم في الثانية فيعطون من صدقة العاملين ومن كان غازيا أو ابن سبيل أم مؤلفا لم يخصوا بشيء السادسة لا يجوز دفع القيمة في شيء من الزكوات إلا في مواضع مخصوصة سبق بيانها في آخر باب زكاة الغنم والله تعالى أعلم