( 526 ) فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "اكتُب باسمك اللّهُمّ" فكتبها. ثمّ قال: "اكتُب هذا ما صالح عليه مُحمّد رسولُ اللّه سُهيل بن عمرو". فقال سهيل: لو شهدت أنّك رسول اللّه لم اقاتلك، ولكن اكتب: اسمك واسم أبيك. فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: " اكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن النّاس عشر سنين يأمن فيهنّ النّاس ويكفّ بعضهم عن بعض على أنّه من أتى محمّداً من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمّد لم يردّوه عليه، وأنّ بيننا عيبةً مكفوفةً وأنّه لا أسلال ولا أغلال، وأنّه من أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه"(1). انظر كيف رضي النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بحذف لقبه توخّيا للسلام وطلباً للصلح. وانظر كم بلغت مرونة الإسلام حتّى أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم رضي في عهده أن يعيد الهارب من صفوف الكفّار، في حين التزم بأن لا يعيدوا إليه من ترك صفوف المسلمين وهرب إلى قريش، وهو غاية في التنازل بهدف إقرار السلام. والعجيب أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عمل بهذا البند من الوثيقة في نفس المجلس تدليلاً على حسن نيّته، والتزامه بما كتب، وحرصه على السلام، فبينا رسول اللّه يكتب هذا الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فلمّا رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بتلبيبه ثمّ قال: يا محمّد قد لجّت [تمّت] القضيّة بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: "صدقت"، فجعل يجذبه جذباً شديداً ويجرّه ليردّه إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأردّ إلى المشركين يفتننوني في ديني ؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإنّ اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صُلحاً، و أعطيناهُم على ذلك ــــــــــــــــــــــــــــ 1- سيرة ابن هشام 4:318، والكامل للجزريّ 2:138، وأعلام الورى للطبرسيّ:97.