وجملة ( ومن يكن الشيطان له قرينا ) معترضة .
وقوله ( فساء قرينا ) جواب الشرط والضمير المستتر في ( ساء ) : إن كان عائدا إلى الشيطان ف ( ساء ) بمعنى بئس والضمير فاعلها و ( قرينا ) تمييز للضمير مثل قوله تعالى ( ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا ) أي : فساء قرينا له ليحصل الربط بين الشرط وجوابه ويجوز أن تبقى ( ساء ) على أصلها ضد حسن وترفع ضميرا عائدا على ( من ) ويكون ( قرينا ) تمييز نسبة كقولهم " ساء سمعا فساء جابه " أي فساء من كان الشيطان قرينه من جهة القرين والمقصود على كلا الاحتمالين سوء حال من كان الشيطان له قرينا بإثبات سوء قرينه ؛ إذ المرء يعرف بقرينه كما قال عدي بن زيد : .
" فكل قرين بالمقارن يقتدي وقوله ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ) عطف على الجملتين وضمير الجمع عائد إلى الفريقين والمقصود استنزال طائرهم وإقامة الحجة عليهم .
( وماذا ) استفهام وهو هنا إنكاري توبيخي . و ( ذا ) إشارة إلى ( ما ) والأصل أن يجيء بعد ( ذا ) اسم موصول نحو ( من ذا الذي يشفع عنده ) . وكثر في كلام العرب حذفه وإبقاء صلته لكثرة الاستعمال فقال النحاة : نابت ( ذا ) مناب الموصول فعدوها في الموصولات وما هي منها في قبيل ولا دبير ولكنها مؤذنة بها في بعض المواضع . ( وعلى ) ظرف مستقر هو صلة الموصول فهو مؤول بكون . و ( على ) للاستعلاء المجازي بمعنى الكلفة والمشقة كقولهم : عليك أن تفعل كذا . و ( لو آمنوا ) شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه وقد قدم دليل الجواب اهتماما بالاستفهام كقول قتيلة بنت الحارث : .
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق ومن هذا الاستعمال تولد معنى المصدرية في لو الشرطية فأثبته بعض النحاة في معاني لو وليس بمعنى لو في التحقيق ولكنه ينشأ من الاستعمال . وتقدير الكلام : لو آمنوا ماذا الذي كان يتعبهم ويثقلهم أي لكان حفيفا عليهم ونافعا لهم وهذا من الجدل بإراءة الحالة المتروكة أنفع ومحمودة .
ثم إذا ظهر أن التفريط في أخف الحالين وأسدهما أمر نكر ظهر أن المفرط في ذلك ملوم إذ لم يأخذ لنفسه بأرشد الخلتين فالكلام مستعمل في التوبيخ استعمالا كنائيا بواسطتين . والملام متوجه للفريقين : الذين يبخلون ؛ والذين ينفقون رئاء لقوله ( لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ) على عكس ترتيب الكلام السابق .
وجملة ( وكان الله بهم عليما ) معترضة في آخر الكلام وهي تعريض بالتهديد والجزاء على سوء أعمالهم .
( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [ 40 ] ) استئناف بعد أن وصف حالهم وأقام الحجة عليهم وأراهم تفريطهم مع سهولة أخذهم بالحيطة لأنفسهم لو شاءوا بين أن الله منزه عن الظلم القليل بله الظلم الشديد فالكلام تعريض بوعيد محذوف هو من جنس العقاب وأنه في حقهم عدل لأنهم استحقوه بكفرهم وقد دلت على ذلك المقدر أيضا مقابلته بقوله ( وإن تك حسنة ) ولما كان المنفي الظلم على أن ( مثقال ذرة ) تقدير لأقل ظلم فدل على أن المراد أن الله لا يؤاخذ المشي بأكثر من جزاء سيئته .
وانتصب ( مثقال ذرة ) بالنيابة عن المفعول المطلق أي لا يظلم ظلما مقدرا بمثقال ذرة والمثقال ما يظهر به الثقل فلذلك صيغ على وزن اسم الآلة والمراد به المقدار .
A E والذرة تطلق على بيضة النملة وعلى ما يتطاير من التراب عند النفخ وهذا أحقر ما يقدر به فعلم انتفاء ما هو أكثر منه بالأولى . وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر ( حسنة ) " بالرفع " على أن ( تك ) مضارع كان التامة أي إن توجد حسنة . وقراه الجمهور " بنصب " ( حسنة ) على الخبرية ل ( تك ) على اعتبار كان ناقصة واسم كان المستتر عائد إلى مثقال ذرة وجيء بفعل الكون بصيغة فعل المؤنث مراعاة للفظ ذرة الذي أضيف إليه مثقال لأن لفظ مثقال مبهم لا يميزه إلا لفظ ذرة فكان كالمستغنى عنه