وحسبك ما كان بين بكر وتغلب في حرب البسوس وهما أقارب وأصهار وقد كان المسلمون يومها عربا قريبي عهد بالجاهلية ؛ فلذلك جئهم على الإحسان إلى القرابة . وكانوا يحسنون بالجار فإذا كان من قرابتهم لم يكترثوا بالإحسان إليه وأكد ذلك بإعادة حرف الجر بعد العاطف . ومن أجل ذلك لم تؤكد بالباء في حكاية وصية بني إسرائيل ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ) إلى قوله ( وذي القربى ) لأن الإسلام أكد أوامر القرابة أكثر من غيره . وفي الأمر بالإحسان إلى الأقارب تنبيه على أن من سفالة الأخلاق أن يستخف أحد بالقريب لأنه قريبه وآمن من غوائله ويصرف بره ووده إلى الأباعد ليستكفي شرهم أو ليذكر في القبائل بالذكر الحسن فإن النفس التي يطوعها الشر وتدينها الشدة لنفس لئيمة وكما ورد " شر الناس من اتقاه الناس لشره " فكذلك نقول " شر الناس من عظم أحدا لشره " .
وقوله ( واليتامى والمساكين ) هذان صنفان ضعيفان عديما النصير فلذلك أوصي بهما .
والجار هو النزيل بقرب منزلك ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها فالمراد ب ( الجار ذي القربى ) الجار النسيب من القبيلة وب ( الجار الجنب ) الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة فهو جنب أي بعيد مشتق من الجانب وهو وصف على وزن فعل كقولهم : ناقة أجد وقيل : وهو مصدر ولذلك لم يطابق موصوفه قال بلعاء بن قيس : .
لا يجتوينا مجاور أبدا ... ذو رحم أو مجاور جنب ويشهد لهذا المعنى قول علقمة بن عبدة في شعره الذي استشفع به عند الملك الحارث ابن جبلة الغساني ليطلق له أخاه شاسا حين وقع في أسر الحارث : .
فلا تحرمني نائلا عن جناية ... فإني امرؤ وسط القباب غريب وفسر بعضهم الجار ذا القربى بقريب الدار والجنب بعيدها وهذا بعيد لأن القربى لا تعرف في القرب المكاني والعرب معروفون بحفظ الجوار والإحسان إلى الجار وأقوالهم في ذلك كثيرة فأكد ذلك في الإسلام لأنه من محامد العرب التي جاء الإسلام لتكميلها من مكارم الأخلاق ومن ذلك الإحسان إلى الجار .
وأكدت السنة الوصاية بالجار في أحاديث كثيرة : ففي البخاري عن عائشة أن النبي A : قال " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " . وفيه عن أبي شريح : أن النبي A خرج وهو يقول " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن " قيل " ومن يا رسول الله " قال " من لا يأمن جاره بوائقه " وفيه عن عائشة قلت : " يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي " قال " إلى أقربهما منك بابا " وفي صحيح مسلم : قال رسول الله A لأبي ذر " إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهده جيرانك " . واختلف في حد الجوار : فقال ابن شهاب والأوزاعي : أربعوان دارا من كل ناحية وروي في ذلك حديث وليس عن مالك في ذلك حد والظاهر أنه موكول إلى ما تعارفه الناس .
وقوله ( والصاحب بالجنب ) هو المصاحب الملازم للمكان فمنه الضيف ومنه الرفيق في السفر وكل من هو ملم بك لطلب أن تنفعه وقيل : أراد الزوجة .
( وابن السبيل ) هو الغريب المجتاز بقوم غير ناو الإقامة لأن من أقام فهو الجار الجنب . وكلمة ( ابن ) فيه مستعملة في معنى الانتساب والاختصاص كقولهم : أبو الليل وقولهم في المثل : أبوها وكيالها . والسبيل : الطريق السابلة فابن السبيل هو الذي لازم الطريق سائرا أي مسافرا فإذا دخل القبيلة فهو ليس من أبنائها فعرفوه بأنه ابن الطريق رمى به الطريق إليهم فكأنه ولده . والوصاية به لأنه ضعيف الحيلة قليل النصير إذ لا يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه وبلد غير بلده .
وكذلك ( ما ملكت أيمانكم ) لأن العبيد في ضعف الرق والحاجة وانقطاع سبل الخلاص من سادتهم فلذلك كانوا أحقاء بالوصاية .
A E وجملة ( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) تذييل لجملة الأمر بالإحسان إلى من سماهم بذم موانع الإحسان إليهم الغالبة على البشر . والاختيال : التكبر افتعال مشتق من الخيلاء يقال : خال الرجل خولا وخالا . والفخور : الشديد الفخر بما فعل وكلا الوصفين منشأ للغلظة والجفاء فهما ينافيان الإحسان المأمور به لأن المراد الإحسان في المعاملة وترك الترفع على من يظن به سبب يمنعه من الانتقام