قال قتادة وعطاء والحسن : نزلت هذه الآية في اليهود وعليه فالموصول بمعنى لام العهد فاليهود بعد أن آمنوا بموسى كفروا بعيسى وازدادوا كفرا بمحمد A .
وقيل أريد به اليهود والنصارى : فاليهود كما علمت والنصارى آمنوا بعيسى ثم كفروا فعبدوه وألهوه ثم ازدادوا كفرا بمحمد A .
وتأويل ( لن تقبل توبتهم ) إما انه كناية عن أنهم لا يتوبون فتقبل توبتهم كقوله تعالى ( ولا يقبل منها شفاعة ) أي لا شفاعة لها فتقبل وهذا كقول امرئ القيس .
" على لاحب لا يهتدى بمناره أي لا منار له إذ قد علم من الأدلة أن التوبة مقبولة ودليله الحصر المقصود به المبالغة في قوله ( وأولئك هم الضالون ) . وإما أن الله نهى نبيه عن الاغترار بما يظهرونه من الإسلام نفاقا فالمراد بعدم القبول عدم تصديقهم في إيمانهم وإما الإخبار بأن الكفر قد رسخ في قلوبهم فصار لهم سجية لا يحولون عنها فإذا أظهروا التوبة فهم كاذبون فيكون عدم القبول بمعنى عدم الاطمئنان لهم وأسرارهم موكولة إلى الله تعالى . وقد أسلم بعض اليهود قبل نزول الآية : مثل عبد الله بن سلام فلا إشكال فيه وأسلم بعضهم بعد نزول الآية .
وقيل المراد الذين ارتدوا من المسلمين وماتوا على الكفر فالمراد بالازدياد الاستمرار وعدم الإقلاع . والقول في معنى لن تقبل توبتهم كما تقدم . وعليه يكون قوله ( إن الذين كفروا وماتوا ) توكيدا لفظيا بالمرادف وليبنى عليه التفريع بقوله ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ) وأياما كان فتأويل الآية متعين : لأن ظاهرها تعارضه الأدلة القاطعة على أن إسلام الكافر مقبول . ولو تكرر منه الكفر وأن توبة العصاة مقبولة ولو وقع نقضها على أصح الأقوال وسيجيء مثل هذه الآية في سورة النساء وهو قوله ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) .
( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين [ 91 ] ) استئناف لبيان حال الكافرين الذين ماتوا على كفرهم نشأ عن حكم فريق من الكفار تكرر منهم الكفر حتى رسخ فيهم وصار لهم ديدنا . وإن كان المراد في الآية السابقة من الذين ازدادوا كفرا الذين ماتوا على الكفر كانت هذه الآية كالتوكيد اللفظي للأولى أعيدت ليبنى عليها قوله ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ) . وأيا ما كان فالمراد بالموصول هنا العموم مثل المعرف بلام الاستغراق .
والفاء في قوله ( فلن يقبل ) مؤذنة بمعاملة الموصول معاملة اسم الشرط ليدل على أن الصلة هي علة عدم قبول التوبة ولذلك لم يقترن خبر الموصول بالفاء في الجملة التي قبلها : ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ) لأنهم إذا فعلوا ذلك ولم يموتوا كافرين قبلت توبتهم بخلاف الذين يموتون على الكفر فسبب عدم قبول التوبة منهم مصرح به وعليه فجملة فلن يقبل من أحدهم إلى آخرها في موضع خبر ( إن ) وجملة ( أولئك لهم عذاب أليم ) مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن الإخبار بأنه لن يقبل من أحدهم فدية ويجوز أن تكون جملة ( فلن يقبل من أحدهم ) إلى آخرها معترضة بين اسم ( إن ) وخبرها مقترنة بالفاء كالتي في قوله تعالى ( ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ) وتكون جملة ( أولئك لهم عذاب أليم ) خبر ( إن ) .
ومعنى ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ) لن يقبل منهم بشيء يفتدون به في الآخرة لظهور أن ليس المراد نفي قبول الافتداء في الدنيا . ضرورة أنهم وصفوا بأنهم ماتوا وهم كفار . والملء بكسر الميم ما يملأ وعاء وملء الأرض في كلامهم كناية عن الكثرة المتعذرة لأن الأرض لا يملؤها شيء من الموجودات المقدرة وهذا كقولهم عدد رمال الدهناء وعدد الحصى وميز هذا المقدار بذهبا لعزة الذهب وتنافس الناس في اقتنائه وقبول حاجة من بذله قال الحريري : .
" وقارنت نجح المساعي خطرته A E