فمعنى الآية : ليس قول ( كونوا عبادا لي ) حقا لبشر أي بشر كان . وهذه اللام هي أصل لام الجحود التي نحو ( وما كان الله ليعذبهم ) فتراكيب لام الجحود كلها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد المبالغة في النفي بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولا لأجل فعل كذا أي فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحودا .
والمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة ولكن قد علم أن مصب النفي هو المعطوف من قوله ( ثم يقول الناس كونوا عبادا لي ) أي ما كان له أن يقول كونوا عبادا لي إذا آتاه الله الكتاب الخ .
والعباد جمع عبد كالعبيد وقال ابن عطية ( الذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير والعبيد يقصد منه ولذلك قال تعالى ( يا عبادي ) وسمت العرب طوائف من العرب سكنوا الحيرة ودخلوا تحت حكم كسرى بالعباد وقيل لأنهم تنصروا فسموهم بالعباد بخلاف جمعه على عبيد كقولهم : هم عبيد العصا وقال حمزة بن المطلب هل أنتم إلا عبيد لأبي ومنه قوله تعالى ( وما ربك بظلام للعبيد ) ؛ لأنه تشفيق وإعلام بقلة مقدرتهم وانه تعالى ليس بظلام لهم مع ذلك ولما كان لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا ولذلك آنس بها في قوله تعالى ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السليمة اه .
وقوله ( من دون الله ) قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عباد للقائل بأن ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر لأن حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين فإن النصارى لما جعلوا عيسى ربا لهم وجعلوه ابنا لله قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية الله فلا جدوى لقولهم : نحن عبيد الله وعبيد عيسى فلذلك جعلت مقالتهم مقتضية أن عيسى أمرهم بأن يكونوا عبادا له من دون الله والمعنى أن لآمر بأن يكون الناس عبادا له هو آمر بانصرافهم عن عبادة الله . ( ولكن كونوا ربانيين ) أي ولكن يقول كونوا منسوبين للرب وهو الله تعالى لأن النسب إلى الشيء إنما يكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه .
ومعنى أن يكونوا مخلصين لله دون غيره .
والرباني نسبة إلى الرب على غير قياس كما يقال اللحياني لعظيم اللحية والشعراني لكثير الشعر .
وقوله ( بما كنتم تعلمون الكتاب ) أي لأن علمكم الكتاب من شأنه أن يصدكم عن إشراك العبادة فإن فائدة العلم العمل .
وقرأ الجمهور : بما كنتم تعلمون بفتح الثناة الفوقية وسكون العين وفتح اللام مضارع علم وقرأه عامر و حمزة وعاصم والكسائي وخلف : بضم ففتح فلام مشددة مكسورة مضارع علم المضاعف .
و ( تدرسون ) معناه تقرؤون أي قراءة بإعادة وتكرير : لأن مادة درس في كلام العرب تحوم حول معاني التأثر من تكرر عمل يعمل في أمثاله فمنه قوله : درست الريح رسم الدار إذا عفته وأبلته فهو دارس يقال منزل دارس والطريق الدارس العافي الذي لا يتبين . وثوب دارس خلق وقالوا : درس الكتاب إذا قرأه بتمهل لحفظه أو للتدبر وفي الحديث " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة " الخ رواه الترمذي فعطف التدارس على القراءة فعلم أن الدراسة أخص من القراءة . وسموا بيت قراءة اليهود مدراسا كما في الحديث : إن النبي A خرج في طائفة من أصحابه حتى أتى مدارس اليهود فقرا عليهم القرآن ودعاهم الخ . ومادة درس تستلزم التمكن من المفعول فلذلك صار درس الكتاب مجازا في فهمه وإتقانه ولذلك عطف في هذه الآية ( وبما كنتم تدرسون ) على ( بما كنتم تعلمون الكتاب ) .
وفعله من باب نصر ومصدره في غالب معانيه الدرس ومصدر درس بمعنى قرأ يجيء على الأصل درسا ومنه سمي تعليم العلم درسا .
ويجيء على وزن الفعالة دراسة وهي زنة تدل على معالجة الفعل مثل الكتابة والقراءة إلحاقا لذلك بمصادر الصناعات كالتجارة والخياطة .
وفي قوله ( ولا يأمركم ) التفات من الغيبة إلى الخطاب .
A E