ولما كان جوابهم السائلين عن القرآن بقولهم هو ( أساطير الأولين ) مظهرينه بمظهر النصيحة والإرشاد وهم يريدون الاستبقاء على كفرهم سمي ذلك مكرا بالمؤمنين إذ المكر إلحاق الضر بالغير في صورة تمويهه بالنصح والنفع فنظر فعلهم بمكر من قبلهم أي من الأمم السابقة الذين مكروا بغيرهم مثل قوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون قال تعالى في قوم صالح ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ) الآية وقال ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) .
فالتعريف بالموصول في قوله تعالى ( الذين من قبلهم ) مساو للتعريف بلام الجنس .
ومعنى ( أتى الله بنيانهم ) استعارة بتشبيه القاصد للانتقام بالجائي نحو المنتقم منه ومنه قوله تعالى ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) .
A E وقوله تعالى ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) تمثيل لحالات استئصال الأمم فالبنيان مصدر بمعنى المفعول . أي المبنى وهو هنا مستعار للقوة والعزة والمنعة وعلو القدر .
وإطلاق البناء على مثل هذا وارد في فصيح الكلام . قال عبدة بن الطبيب : .
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما وقالت سعدة أم الكميت بن معروف : .
بنى لك معروف بناء هدمته ... وللشرف العادي بان وهادم و ( من القواعد ) متعلق ب ( أتى ) . ( ومن ) ابتدائية ومجرورها هو مبدأ الإتيان الذي هو بمعنى الاستئصال فهو في معنى هدمه .
والقواعد : الأسس والأساطين التي تجعل عمدا للبناء يقام عليها السقف . وهو تخييل أو ترشيح إذ ليس في الكلام شيء يشبه بالقواعد .
والخرور : السقوط والهوي ففعل خر مستعار لزوال ما به المنعة نظير قوله تعالى ( يخربون بيوتهم بأيديهم ) .
والسقف : حقيقته غطاء الفراغ الذي بين جدران البيت يجعل على الجدران وتكون من حجر ومن أعواد وهو هنا مستعار لما استعير له البناء .
و ( من فوقهم ) تأكيد لجملة ( فخر عليهم السقف ) .
ومن مجموع هذه الاستعارات تتركب الاستعارة التمثيلية . وهي تشبيه هيئة القوم الذين مكروا في المنعة فأخذهم الله بسرعة وأزال تلك العزة بهيئة قوم أقاموا بنيانا عظيما ذا دعائم وآووا إليه فاستأصله الله من قواعده فخر سقف البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعا . فهذا من إبداع التمثيلية لأنها تنحل إلى عدة استعارات .
وجملة ( وأتاهم العذاب ) عطف على جملة ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) . وأل في ( العذاب ) للعهد فهي مفيدة مضمون قوله ( من فوقهم ) مع زيادة قوله تعالى ( من حيث لا يشعرون ) . فباعتبار هذه الزيادة وردت معطوفة لحصول المغايرة وإلا فإن شأن المؤكدة أن لا تعطف . والمعنى : أن العذاب المذكور حل بهم بغتة وهم لا يشعرون فإن الأخذ فجأة أشد نكاية لما يصحبه من الرعب الشديد بخلاف الشيء الوارد تدريجا فإن النفس تتلقاه بصبر .
( ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) عطف على ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ) لأن ذلك وعيد لهم وهذا تكملة له .
وضمير الجمع في قوله تعالى ( يخزيهم ) عائد إلى ما عاد إليه الضمير المجرور باللام في قوله تعالى ( وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ) . وذلك عائد إلى ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) .
و ( ثم ) للترتيب الرتبي فإن خزي الآخرة أعظم من استئصال نعيم الدنيا .
والخزي : الإهانة . وقد تقدم عند قوله تعالى ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ) في سورة البقرة .
وتقديم الظرف للاهتمام بيوم القيامة لأنه يوم الأحوال الأبدية فما فيه من العذاب مهول للسامعين .
و ( أين ) للاستفهام عن المكان وهو يقتضي العلم بوجود من يحل في المكان . ولما كان المقام هنا مقام تهكم كان الاستفهام عن المكان مستعملا في التهكم ليظهر لهم كالطماعية للبحث عن آلهتهم وهم علموا أن لا وجود لهم ولا مكان لحلولهم .
وإضافة الشركاء إلى ضمير الجلالة زيادة في التوبيخ لأن مظهر عظمة الله تعالى يومئذ للعيان ينافي أن يكون له شريك فالمخاطبون عالمون حينئذ بتعذر المشاركة .
والموصول من قوله تعالى ( الذين كنتم تشاقون فيهم ) للتنبيه على ضلالهم وخطئهم في ادعاء المشاركة مثل الذي في قول عبدة :