و ( ما ) يستفهم بها عن بيان الجنس ونحوه . وموضعها أنها خبر مقدم . وموضع اسم الإشارة الابتداء . والتقدير : هذا الذي أنزل ربكم ما هو . وقد تسامح النحويون فقالوا : إن ( ذا ) من قولهم ( ماذا ) صارت اسم موصول . وتقدم عند قوله تعالى ( يسألونك ماذا ينفقون ) في سورة البقرة .
و ( أساطير الأولين ) خبر مبتدأ محذوف دل عليه ما في السؤال . والتقدير : هو أساطير الأولين أي المسؤول عنه أساطير الأولين .
ويعلم من ذلك أنه ليس منزلا من ربهم لأن أساطير الأولين لا تكون منزلة من الله كما قلناه آنفا . ولذلك لم يقع ( أساطير الأولين ) منصوبا لأنه لو نصب لاقتضى التقدير : أنزل أساطير الأولين وهو كلام متناقض . لأن أساطير الأولين السابقة لا تكون الذي أنزل الله الآن .
A E والأساطير : جمع أسطار الذي هو جمع سطر . فأساطير جمع الجمع . وقال المبرد : جمع أسطورة " بضم الهمزة " كأرجوحة . وهي مؤنثة باعتبار أنها قصة مكتوبة . وهذا الذي ذكره المبرد أولى لأنها أساطير في الأكثر يعني بها القصص لا كل كتاب مسطور . وقد تقدم عند قوله تعالى ( يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ) في سورة الأنعام .
واللام في ( ليحملوا أوزارهم ) تعليل لفعل ( قالوا ) وهي غاية وليست بعلة لأنهم لما قالوا ( أساطير الأولين ) لم يريدوا أن يكون قولهم سببا لأن يحملوا أوزار الذين يضلونهم فاللام مستعملة مجازا في العاقبة مثل ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) .
والتقدير : قالوا ذلك القول كحال من يغرى على ما يجر إليه زيادة الضر إذ حملوا بذلك أوزار الذين يضلونهم زيادة على أوزارهم .
والأوزار : حقيقتها الأثقال . جمع وزر " بكسر الواو وسكون الزاي " وهو الثقل . واستعمل في الجرم والذنب لأنه يثقل فاعله عن الخلاص من الألم والعناء فأصل ذلك استعارة بتشبيه الجرم والذنب بالوزر . وشاعت هذه الاستعارة قال تعالى ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ) في سورة الأنعام . كما يعبر عن الذنوب بالأثقال قال تعالى ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) .
وحمل الأوزار تمثيل لحالة وقوعهم في تبعات جرائمهم بحالة حامل الثقل لا يستطيع تفصيلا منه فلما شبه الإثم بالثقل فأطلق عليه الوزر شبه التورط في تبعاته بحمل التقل على طريقة التخييلية وحصل من الاستعارتين المفرقتين استعارة تمثيلية للهيئة كلها . وهذا من أبدع التمثيل أن تكون الاستعارة التمثيلية صالحة للتفريق إلى عدة تشابيه أو استعارات .
وإضافة الأوزار إلى ضمير ( هم ) لأنهم مصدرها .
ووصفت الأوزار ب ( كاملة ) تحقيقا لوفائها وشدة ثقلها ليسري ذلك إلى شدة ارتباكهم في تبعاتها إذ هو المقصود من إضافة الحمل إلى الأوزار .
و ( من ) في قوله تعالى ( ومن أوزار الذين يضلونهم ) للسببية متعلقة بفعل محذوف دل عليه حرف العطف وحرف الجر بعده إذ لا بد لحرف الجر من متعلق . وتقديره : ويحملوا . ومفعول الفعل محذوف دل عليه مفعول نظيره . والتقدير : ويحملوا أوزارا ناشئة عن أوزار الذين يضلونهم أي ناشئة لهم عن تسببهم في ضلال المضللين " بفتح اللام " فإن تسببهم في الضلال يقتضي مساواة المضلل للضال في جريمة الضلال إذ لولا إضلاله إياه لاهتدى بنظره أو بسؤال الناصحين . وفي الحديث الصحيح " ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " .
و ( بغير علم ) في موضع الحال من ضمير النصب في ( يضلونهم ) أي يضلون ناسا غير عالمين يحسبون إضلالهم نصحا . والمقصود من هذا الحال تفظيع التضليل لا تقييده فإن التضليل لا يكون إلا عن عدم علم كلا أو بغضا .
وجملة ( ألا ساء ما يزرون ) تذييل . افتح بحرف التنبيه اهتماما بما تتضمنه للتحذير من الوقوع فيه أو للإقلاع عنه .
( قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون [ 26 ] ) لما ذكر عاقبة إضلالهم وصدهم السائلين عن القرآن والإسلام في الآخرة أتبع بالتهديد بأن يقع لهم ما وقع فيه أمثالهم في الدنيا من الخزي والعذاب مع التأييس من أن يبلغوا بصنعهم ذلك مبلغ مرادهم وأنهم خائبون في صنعهم كما خاب من قبلهم الذين مكروا برسلهم