وقوله ( أن الله يعلم ) في موضع جر بحرف جر محذوف متعلق ب ( جرم ) . وخبر ( لا ) النافية محذوف لظهوره إذ التقدير : لا جرم موجود . وحذف الخبر في مثله كثير . والتقدير : لا جرم في أن الله يعلم أو لا جرم من أنه يعلم أي لا بد أنه يعلم أي لا بد من علمه أي لا شك في ذلك .
وجملة ( أن الله يعلم ) خبر مستعمل كناية عن الوعيد بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرها بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرها مؤاخذة عقاب وانتقام فلذلك عقب بجملة ( إنه لا يحب المستكبرين ) الواقعة موقع التعليل والتذييل لها لأن الذي لا يحب فعلا وهو قادر يجازي فاعله بالسوء .
A E والتعريف في ( المستكبرين ) للاستغراق لأن شأن التذييل العموم . ويشمل هؤلاء المتحدث عنهم فيكون إثبات العقاب لهم كإثبات الشيء بدليله .
( وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين [ 24 ] ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون [ 25 ] ) ( وإذا قيل لهم ) عطف على جملة ( قلوبهم منكرة ) لأن مضمون هذه من أحوالهم المتقدم بعضها فإنه ذكر استكبارهم وإنكارهم الوحدانية وأتبع بمعاذيرهم الباطلة لإنكار نبوع محمد A وبصدهم الناس عن اتباع الإسلام . والتقدير : قلوبهم منكرة ومستكبرة فلا يعترفون بالنبوة ولا يخلون بينك وبين من يتطلب الهدى مضلون للناس صادونهم عن الإسلام .
وذكر فعل القول يقتضي صدوره عن قائل يسألهم عن أمر حدث بينهم وليس على سبيل الفرض وأنهم يجيبون بما ذكر مكرا بالدين وتظاهرا بمظهر الناصحين للمسترشدين المستنصحين بقرينة قوله تعالى ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) .
و ( إذا ) ظرف مضمن معنى الشرط . وهذا الشرط يؤذن بتكرر هذين القولين . وقد ذكر المفسرون أن قريشا لما أهمهم أمر النبي A ورأوا تأثير القرآن في نفوس الناس وأخذ أتباع الإسلام يكثرون وصار الواردون إلى مكة في موسم الحج وغيره يسألون الناس عن هذا القرآن وماذا يدعو إليه دبر لهم الوليد بن المغيرة معاذير واختلاقا يختلفونه ليقنعوا السائلين به فندب منهم ستة عشر رجلا بعثهم أيام الموسم يقعدون في عقبات مكة وطرقها التي يرد منها الناس يقولون لمن سألهم لا تغتروا بهذا الذي يدعي أنه نبي فإنه مجنون أو ساحر أو شاعر أو كاهن وأن الكلام الذي يقوله أساطير من أساطير الأولين اكتتبها . وقد تقدم ذلك في آخر سورة الحجر . وكان النضر بن الحارث يقول : أنا أقرأ عليكم ما هو أجمل من حديث محمد أحاديث رستم وإسفنديار . وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى ( ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) في سورة الأنعام .
ومساءلة العرب عن بعث النبي A كثيرة واقعة . وأصرحها ما رواه البخاري عن أبي ذر أنه قال : " كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي أنيس : انطلق إلى هذا الرجل كلمه وائتني بخبره فانطلق فلقيه ثم رجع فقلت : ما عندك ؟ فقال : والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر . فقلت : لم تشفني من الخبر فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد... " إلى آخر الحديث .
وسؤال السائلين لطلب الخبر عن المنزل من الله يدل على أن سؤالهم سؤال مسترشد عن دعوى بلغتهم وشاع خبرها في بلاد العرب وأنهم سألوا عن حسن طوية ويصوغون السؤال عن الخبر كما بلغتهم دعوته .
وأما الجواب فهو جواب بليغ تضمن بيان نوع هذا الكلام وإبطال أن يكون منزلا من عند الله لأن أساطير الأولين معروفة والمنزل من عند الله شأنه أن يكون غير معروف من قبل .
و ( ماذا ) كلمة مركبة من ( ما ) الاستفهامية واسم الإشارة ويقع بعدها فعل هو صلة لموصول محذوف ناب عنه اسم الإشارة . والمعنى : ما هذا الذي أنزل