وجملة ( إن الله لغفور رحيم ) استئناف عقب به تغليظ الكفر والتهديد عليه تنبيها على تمكنهم من تدارك أمرهم بأن يقلعوا عن الشرك ويتأهبوا للشكر بما يطيقون على عادة القرآن من تعقيب الزواجر بالرغائب كيلا يقنط المسرفون .
وقد خولف بين ختام هذه الآية وختام آية سورة إبراهيم إذ وقع هنالك ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) لأن تلك جاءت في سياق وعيد وتهديد عقب قوله تعالى ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ) فكان المناسب لها تسجيل ظلمهم وكفرهم بنعمة الله .
وأما هذه الآية فقد جاءت خطابا للفريقين كما كانت النعم المعدودة عليهم منتفعا بها كلاهما .
A E ثم كان من اللطائف أن وقبل الوصفان اللذان في آية سورة إبراهيم ( لظلوم كفار ) بوصفين هنا ( لغفور رحيم ) إشارة إلى أن تلك النعم كانت سببا لظلم الإنسان وكفره وهي سبب لغفران الله ورحمته . والأمر في ذلك منوط الإنسان .
( والله يعلم ما تسرون وما تعلنون [ 19 ] ) عطف على جملة ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) . فبعد أن أثبت أن الله منفرد بصفة الخلق دون غيره بالأدلة العديدة ثم باستنساخ ذلك بقوله ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) انتقل هنا إلى إثبات أنه منفرد بعموم العلم .
ولم يقدم لهذا الخبر استدلال ولا عقب بالدليل لأنه مما دلت عليه أدلة الانفراد بالخلق لأن خالق أجزاء الإنسان الظاهرة والباطنة يجب له أن يكون عالما بدقائق حركات تلك الأجزاء وهي بين ظاهر وخفي فلذلك قال ( والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ) .
والمخاطب هنا هم المخاطبون بقوله تعالى ( أفلا تذكرون ) . وفيه تعريض بالتهديد والوعيد بأن الله محاسبهم على كفرهم .
وفيه إعلام بأن أصنامهم بخلاف ذلك كما دل عليه تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي فإنه يفيد القصر لرد دعوى الشركة .
وقرأ حفص ( ما يسرون وما يعلنون ) بالتحتية فيهما وهو التفات من الخطاب إلى الغيبة . وعلى قراءته تكون الجملة أظهر في التهديد منها في قصد التعليم .
( والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون [ 20 ] أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون [ 21 ] ) عطف على جملة ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) وجملة ( والله يعلم ما تسرون ) .
وما صدق ( الذين ) الأصنام . وظاهر أن الخطاب هنا متمحض للمشركين وهم بعض المخاطبين في الضمائر السابقة .
والمقصود من هذه الجملة التصريح بما استفيد ضمنا مما قبلها وهو نفي الخالقية ونفي العلم عن الأصنام .
فالخبر الأول وهو جملة ( لا يخلقون شيئا ) استفيد من جملة ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) . وعطف ( وهم يخلقون ) ارتقاء في الاستدلال على انتفاء إلهيتها .
والخبر الثاني وهو جملة ( أموات غير أحياء ) تصريح بما استفيد من جملة ( والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ) بطريقة نفي الشيء بنفي ملزومه .
وهي طريقة الكناية التي هي كذكر الشيء بدليله . فنفي الحياة عن الأصنام في قوله ( غير أحياء ) يستلزم نفي العلم عنها لأن الحياة شرط في قبول العلم ولأن نفي أن يكونوا يعلمون ما هو من أحوالهم يستلزم انتفاء أن يعلموا أحوال غيرهم بدلالة فحوى الخطاب ومن كان هكذا فهو غير إله .
وأسند ( يخلقون ) إلى النائب لظهور الفاعل من المقام أي وهم مخلوقون لله تعالى فإنهم من الحجارة التي هي من خلق الله ولا يخرجها نحت البشر إياها على صور وأشكال عن كون الأصل مخلوقا لله تعالى . كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم " عليه السلام " قوله ( والله خلقكم وما تعملون ) .
وجملة ( غير أحياء ) تأكيد لمضمون جملة ( أموات ) للدلالة على عراقة وصف الموت فيهم بأنه ليس فيه شائبة حياة لأنهم حجارة .
ووصفت الحجارة بالموت باعتبار كون الموت عدم الحياة . ولا يشترط في الوصف بأسماء الإعدام قبول الموصوفات بها لملكاتها كما اصطلح عليه الحكماء لأن ذلك اصطلاح منطقي دعا إليه تنظيم أصول المحاجة .
وقرأ عاصم ويعقوب ( يدعون ) بالتحتية . وفيها زيادة تبيين لصرف الخطاب إلى المشركين في قراءة الجمهور