وقد أبدى الفخر في كتاب درة التنزيل وجها للفرق بين إفراد آية في المرة الأولى والثالثة وبين جمع آيات في المرة الثانية : بان ما ذكر أول وثالثا يرجع إلى ما نجم من الأرض فجميعه آية واحدة تابعة لخلق الأرض وما تحتويه ( أي وهو كله ذو حالة واحدة وهي حالة النبات في الأرض في الأول وحالة واحدة وهي حالة الذرء في التناسل في الحيوان في الآية الثالثة ) وأما ما ذكر في المرة الثانية فإنه راجع إلى اختلاف أحوال الشمس والقمر والكواكب وفي كل واحد منها نظام يخصه ودلائل تخالف دلائل غيره فكان ما ذكر في ذلك مجموع آيات ( أي لأن بعضها أعراض كالليل والنهار وبعضها أجرام لها أنظمة مختلفة ودلالات متعددة ) .
A E ( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون [ 13 ] ) عطف على ( الليل والنهار ) أي وسخر لكم ما ذرأ لكم في الأرض . وهو دليل على دقيق الصنع والحكمة لقوله تعالى ( مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) . وأومئ إلى ما فيه من منة بقوله ( لكم ) .
والذرء : الخلق بالتناسل والتولد بالحمل والتفريخ فليس الإنبات ذرءا وهو شامل للأنعام والكراع " وقد مضت المنة به " ولغيرها مثل كلاب الصيد والحراسة وجوارح الصيد والطيور والوحوش المأكولة ومن الشجر والنبات .
وزيد هنا وصف اختلاف ألوانه وهو زيادة للتعجيب ولا دخل له في الامتنان فهو كقوله تعالى ( تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) في سورة الرعد وقوله تعالى ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ) في سورة فاطر . وبذلك صار هذا آية مستقلة فلذلك ذيله بجملة ( إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) ولكون محل الاستدلال هو اختلاف الألوان مع اتحاد أصل الذرء أفردت الآية في قوله تعالى ( إن في ذلك لآية ) .
والألوان : جمع لون . وهو كيفية لسطوح الأجسام مدركة بالبصر تنشأ من امتزاج بعض العناصر بالسطح بأصل الخلقة أو بصبغها بعنصر ذي لون معروف . وتنشأ من اختلاط عنصرين فاكثر ألوان غير متناهية . وقد تقدم عند قوله تعالى ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ) في سورة البقرة .
ونيط الاستدلال باختلاف الألوان بوصف التذكر لأنه استدلال يحصل بمجرد تذكر الألوان المختلفة إذ هي مشهورة .
وإقحام لفظ ( قوم ) وكون الجملة تذييلا تقدم آنفا .
وأبدى الفخر في درة التنزيل وجها لاختلاف الأوصاف في قوله تعالى ( لقوم يتفكرون ) وقوله ( لقوم يعقلون ) وقوله ( لقوم يذكرون ) : بأن ذلك لمراعاة اختلاف شدة الحاجة إلى قوة التأمل بدلالة المخلوقات الناجمة عن الأرض يحتاج إلى التفكير وهو إعمال المؤدى إلى العلم . ودلالة ما ذرأه في الأرض من الحيوان محتاجة إلى مزيد تأمل في التفكير للاستدلال على اختلاف أحوالها وتناسلها وفوائدها فكانت بحاجة إلى التذكير وهو التفكر مع تذكر أجناسها واختلاف خصائصها . وأما دلالة تسخير الليل والنهار والعوالم العلوية فلأنها أدق وأحوج إلى التعمق . عبر عن المستدلين عليها بأنهم يعقلون والتعقل هو أعلى أحوال الاستدلال اه .
( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون [ 14 ] ) القول في هذا الاستدلال وإدماج الامتنان فيه كالقول فيما سبق .
وتقدم الكلام على تسخير الفلك في البحر وتسخير الأنهار في أثناء سورة إبراهيم .
ومن تسخير البحر خلقه على هيئة يمكن معها السبح والسير بالفلك وتمكين السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخرة لحيل الصائدين . وزيد في الامتنان أن لحم صيده طري .
و ( من ) ابتدائية أي تأكلوا لحما طريا صادرا من البحر .
والطري : ضد اليابس . والمصدر : الطراوة . وفعله : طرو بوزن خشن