وروعي هذا التغليب هنا لأنه غالب مرعى أنعام أهل الحجاز لقلة الكلأ في أرضهم فهم يرعون الشعاري والغابات . وفي حديث " ضالة الإبل تشرب الماء وترعى الشجر حتى يأتيها ربذها " .
ومن الدقائق البلاغية الإتيان بحرف ( في ) الظرفية فالإسامة فيه تكون بالأكل منه والأكل مما تحته من العشب .
والإسامة : إطلاق الإبل للسوم وهو الرعي . يقال : سامت الماشية فهي سائمة وأسامها ربذها .
A E ( ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون [ 11 ] ) جملة ( ينبت ) حال من ضمير ( أنزل ) أي ينبت الله لكم .
وإنما لم يعطف هذا على جملة ( لكم منه شراب ) لأنه ليس مما يحصل بنزول الماء وحده بل لا بد معه زرع وغرس .
وهذا الإتيان من دلائل عظيم القدرة الربذانية فالغرض منه الاستدلال ممزوجا بالتذكير بالنعمة كما دل عليه قوله ( لكم ) على وزان ما تقدم في قوله تعالى ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ) الآية وقوله تعالى ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها ) الآية .
وأسند الإنبات إلى الله لأنه الملهم لأسبابه والخالق لأصوله تنبيها للناس على دفع غرورهم بقدرة أنفسهم ولذلك قال ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) لكثرة ما تحت ذلك من الدقائق .
وذكر الزرع والزيتون وما معهما تقدم غير مرة في سورة الأنعام .
والتفكير تقدم عند قوله تعالى ( قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ) في سورة الأنعام .
وإقحام لفظ ( قوم ) للدلالة على أن التفكير من سجاياهم كما تقدم عند قوله تعالى ( لآيات لقوم يعقلون ) في سورة البقرة .
( ومن كل الثمرات ) عطف على ( الزرع والزيتون ) أي وينبت لكم به من الثمرات مما لم يذكر هنا .
والتعريف تعريف الجنس . والمراد : أجناس ثمرات الأرض التي ينبتها الماء ولكل قوم من الناس ثمرات أرضهم وجوهم . و ( من ) تبعيضية قصد منها تنويع الامتنان على كل قوم بما نالهم من نعم الثمرات . وإنما لم تدخل على الزرع وما عطف عليه لأنها من الثمرات التي تنبت في كل مكان .
وجملة ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) تذييل .
والآية : الدلالة على أنه تعالى المبدع الحكيم . وتلك هي إنبات أصناف مختلفة من ماء واحد كما قال ( تسقى بماء واحد ) في سورة الرعد .
ونيطت دلالة هذه بوصف التفكير لأنها دلالة خفية لحصولها بالتدريج . وهو تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بما في ذلك من دلالة على تفرد الله بالإلهية بأنهم قوم لا يتفكرون .
وقرا الجمهور ( ينبت ) بياء الغيبة . وقرأه أبو بكر عن عاصم بنون العظمة .
( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون [ 12 ] ) آيات أخرى على دقيق صنع الله تعالى وعلمه ممزوجة بامتنان .
وتقدم ما يفسر هذه الآية في صدر سورة يونس . وتسخير هذه الأشياء تقدم عند قوله تعالى ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر ) في أوائل سورة الأعراف وفي أوائل سورة الرعد وفي سورة إبراهيم .
وهذا انتقال للاستدلال بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه . وإدماج بين الاستدلال والامتنان . ونيطت الدلالات بوصف العقل لأن أصل العقل كاف في الاستدلال بها على الوحدانية والقدرة إذ هي دلائل بينة واضحة حاصلة بالمشاهدة كل يوم وليلة .
وتقدم وجه إقحام لفظ ( قوم ) آنفا وأن الجملة تذييل .
وقرا الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لفعل ( سخر ) . وقرأ ابن عامر ( والشمس والقمر والنجوم ) بالرفع على الابتداء ورفع ( مسخرات ) على أنه خبر عنها . فنكتة اختلاف الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين . وقرأ حفص برفع ( النجوم ) و ( مسخرات ) . ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول واضح والآخر خفي لقلة من يرقب حركات النجوم .
والمراد بأمره أمر التكوين للنظام الشمسي المعروف