وإلهام الله الناس لاختراعها هو ملحق بخلق الله فالله هو الذي ألهم المخترعين من البشر بما فطرهم عليه من الذكاء والعلم وبما تدرجوا في سلم الحضارة واقتباس بعضهم من بعض إلى اختراعها فهي بذلك مخلوقة لله تعالى لأن الكل من نعمته .
( وعلى الله قصد السبيل ومنها جار ولو شاء لهداكم أجمعين [ 9 ] ) جملة معترضة . اقتضت اعتراضها مناسبة الامتنان بنعمة تيسير الأسفار بالرواحل والخيل والبغال والحمير .
A E فلما ذكرت نعمة تيسير السبيل الموصلة إلى المقاصد الجثمانية ارتقي إلى التذكير بسبيل الوصول إلى المقاصد الروحانية وهو سبيل الهدى فكان تعهد الله بهذه السبيل نعمة أعظم من تيسير المسالك الجثمانية لأن سبيل الهدى تحصل به السعادة الأبدية . وهذا السبيل هي موهبة العقل الإنساني الفارق بين الحق والباطل وإرسال الرسل لدعوة الناس إلى الحق وتذكيرهم بما يغفلون عنه وإرشادهم إلى ما لا تصل إليه عقولهم أو تصل إليه بمشقة على خطر من التورط في بنيات الطريق .
فالسبيل : مجاز لما يأتيه الناس من الأعمال من حيث هي موصلة إلى دار الثواب أو دار العقاب كما في قوله ( قل هذه سبيلي ) . ويزيد هذه المناسبة بيانا لما شرحت دلائل التوحيد ناسب التنبيه على أن ذلك طريق للهدى وإزالة للعذر وأن من بين الطرق التي يسلكها الناس طريق ضلال وجور .
وقد استعير لتعهد الله بتبيين سبيل الهدى حرف ( على ) المستعار كثيرا في القرآن وكلام العرب لمعنى التعهد كقوله تعالى ( إن علينا للهدى ) . شبه التزام هذا البيان والتعهد به بالحق والواجب على المحقوق به .
والقصد : استقامة الطريق . وقع هنا وصفا للسبيل من قبيل الوصف بالمصدر لأنه يقال : طريق قاصد أي مستقيم وذلك أقوى في الوصف بالاستقامة كشأن الوصف بالمصادر وإضافة ( قصد ) إلى ( السبيل ) من إضافة الصفة إلى الموصوف وهي صفة مخصصة لأن التعريف في ( السبيل ) للجنس . ويتعين تقدير مضاف لأن الذي تعهد الله به هو بيان السبيل لا ذات السبيل .
وضمير ( ومنها ) عائد إلى ( السبيل ) على اعتبار جواز تأنيثه .
و ( جائر ) وصف ل ( السبيل ) باعتبار استعماله مذكرا . أي من جنس السبيل الذي منه أيضا قصد سبيل جائر غير قصد .
والجائر : هو الحائد عن الاستقامة . وكنى به عن طريق غير موصل إلى المقصود أي إلى الخير وهو المفضي إلى ضر فهو جائز بسالكه . ووصفه بالجائر على طريقة المجاز العقلي . ولم يضف السبيل الجائر إلى الله لأن سبيل الضلال اخترعها أهل الضلالة اختراعا لا يشهد له العقل الذي فطر الله الناس عليه وقد نهى الله الناس عن سلوكها .
وجملة ( ولو شاء لهداكم أجمعين ) تذييل .
( هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون [ 10 ] ) استئناف لذكر دليل آخر من مظاهر بديع خلق الله تعالى أدمج فيه امتنان بما يأتي به ذلك الماء العجيب من المنافع للناس من نعمة الشراب ونعمة الطعام للحيوان الذي به قوام حياة الناس وللناس أنفسهم .
وصيغة تعريف المسند إليه والمسند أفادت الحصر أي هو لا غيره . وهذا قصر على خلاف مقتضى الظاهر لأن المخاطبين لا ينكرون ذلك ولا يدعون له شريكا في ذلك ولكنهم لما عبدوا أصناما لم تنعم عليهم بذلك كان حالهم كحال من يدعي أن الأصنام أنعمت عليهم بهذه النعم فنزلوا منزلة من يدعي الشركة لله في الخلق فكان القصر قصر إفراد تخريجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر .
وأنزل الماء من السماء تقدم معناه عند قوله تعالى ( وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم ) في سورة البقرة .
وذكر في الماء منتين : الشراب منه والإنبات للشجر والزرع .
وجملة ( لكم منه شراب ) صفة ل ( ماء ) و ( لكم ) متعلق ب ( شراب ) قدم عليه للاهتمام و ( منه ) خبر مقدم كذلك وتقديمه سوغ أن يكون المبتدأ نكرة .
والشراب : اسم للمشروب وهو المائع الذي تشتفه الشفتان وتبلغه إلى الحلق فيبلع دون مضغ .
و ( من ) تبعيضية . وقوله تعالى و ( منه شجر ) نظير قوله ( منه شراب ) . وأعيد حرف ( من ) بعد واو العطف لأن حرف ( من ) هنا للابتداء أو للسببية فلا يحسن عطف ( شجر ) على ( شراب ) .
والشجر : يطلق على النبات ذي الساق الصلبة ويطلق على مطلق العشب والكلأ تغليبا