فأما الخيل والبغال ففي جواز أكلها خلاف قوي بين أهل العلم وجمهورهم أباحوا أكلها . وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد ابن الحسن والظاهري . وروي عن ابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر وعطاء والزهري والنخعي وابن جبير .
A E وقال مالك وأبو حنيفة : يحرم أكل لحوم الخيل . وروي عن ابن عباس واحتج بقوله تعالى ( لتركبوها وزينة ) . ولو كانت مباحة الأكل لامتن بأكلها كما امتن في الأنعام بقوله ( ومنها تأكلون ) . وهو دليل لا ينهض بمفرده . فيجاب عنه بما قررنا من جريان الكلام على مراعاة عادة المخاطبين به . وقد ثبتت أحاديث كثيرة أن المسلمين أكلوا لحوم الخيل في زمن رسول الله A وعلمه . ولكنه كان نادرا في عادتهم .
وعن مالك Bه رواية بكراهة لحوم الخيل واختار ذلك القرطبي .
وأما الحمير فقد ثبت أكل المسلمين لحومها يوم خيبر . ثم نهوا عن ذلك كما في الحديث المتقدم . واختلف في محمل ذلك فحمله الجمهور على التحريم لذات الحمير . وحمله بعضهم على تأويل أنها كانت حمولتهم يومئذ فلو استرسلوا على أكلها لانقطعوا بذلك المكان فآبوا رجالا ولم يستطيعوا حمل أمتعتهم . وهذا رأي فريق من السلف . وأخذ فريق من السلف بظاهر النهي فقالوا بتحريم أكل لحوم الحمر الإنسية لأنها مورد النهي وأبقوا الوحشية على الإباحة الأصلية . وهو قول جمهور الأيمة مالك وأبي حنيفة والشافعي " Bهم " وغيرهم .
وفي هذا إثبات حكم تعبدي في التفرقة وهو مما ر ينبغي المصير إليه في الاجتهاد إلا بنص لا يقبل التأويل كما بيناه في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية .
على أنه لا يعرف في الشريعة أن يحرم صنف إنسي لنوع من الحيوان دون وحشية .
وأما البغال فالجمهور على تحريمها . فأما من قال بحرمة أكل الخيل فلأن البغال صنف مركب من نوعين محرمين فتعين أن يكون أكله حراما . ومن قال بإباحة أكل الخيل فلتغليب تحريم أحد النوعين المركب منهما وهو الحمير على تحليل النوع الآخر وهو الخيل . وعن عطاء أنه رآها حلالا .
والخيل : اسم جمع لا واحد له من لفظه على الأصح . وقد تقدم عند قوله تعالى ( والخيل المسومة ) في سورة آل عمران .
والبغال : جمع بغل . وهو اسم للذكر والأنثى من نوع أمه من الخيل وأبوه من الحمير . وهو من الأنواع النادرة والمتولدة من نوعين . وعكسه البرذون . ومن خصائص البغال عقم أنثاها بحيث لا تلد .
والحمير : جمع تكسير حمار وقد يجمع على أحمرة وعلى حمر . وهو غالب للذكر من النوع وأما الأنثى فأتان . وقد روعي في الجمع التغليب .
( ويخلق ما لا تعلمون [ 8 ] ) اعتراض في آخر الكلام أو في وسطه على ما سيأتي .
و ( يخلق ) مضارع مراد به زمن الحال لا الاستقبال أي هو الآن يخلق ما لا تعلمون أيها الناس مما هو مخلوق لنفعهم وهم لا يشعرون به فكما خلق لهم الأنعام والكراع خلق لهم ويخلق لهم خلائق أخرى لا يعلمونها الآن فيدخل في ذلك ما هو غير معهود أو غير معلوم للمخاطبين وهو معلوم عند أمم أخرى كالفيل عند الحبشة والهنود وما هو غير معلوم لأحد ثم يعلمه الناس من بعد مثل دواب الجهات القطبية كالفقمة والدب الأبيض . ودواب القارة الأمريكية التي كانت مجهولة للناس في وقت نزول القرآن فيكون المضارع مستعملا في الحال للتجديد أي هو خالق ويخلق .
ويدخل فيه كما قبل ما يخلقه الله من المخلوقات في الجنة غير أن ذلك خاص بالمؤمنين فالظاهر أنه غير مقصود من سياق الامتنان العام للناس المتوسل به إلى إقامة الحجة على كافري النعمة .
فالذي يظهر لي أن هذه الآية من معجزات القرآن الغيبية العلمية وأنها إيماء إلى أن الله سيلهم البشر اختراع مراكب هي أجدى عليهم من الخيل والبغال والحمير وتلك العجلات التي يركبها الواحد ويحركها برجليه وتسمى " بسكلات " وأرتال السكك الحديدية والسيارات المسيرة بمصفى النفط وتسمى " أطوموبيل " ثم الطائرات التي تسير بالنفط المصفى في الهواء . فكل هذه مخلوقات نشأت في عصور متتابعة لم يكن يعلمها من كانوا قبل عصر وجود كل منها