والاستدلال بخلق السماوات والأرض أكبر من سائر الأدلة وأجمع لأنها محوية لهما ولأنهما من أعظم الموجودات . فلذلك ابتدئ بهما . ولكن ما فيه من إجمال المحويات اقتضى أن يعقب بالاستدلال بأصناف الخلق والمخلوقات فثني بخلق الإنسان وأطواره وهو أعجب الموجودات المشاهدة ثم بخلق الحيوان وأحواله لأنه جمع الأنواع التي تلي الإنسان في إتقان الصنع مع ما في أنواعها من المنن ثم بخلق ما به حياة الإنسان والحيوان وهو الماء والنبات ثم بخلق أسباب الأزمنة والفصول والمواقيت ثم بخلق المعادن الأرضية وانتقل إلى الاستدلال بخلق البحار ثم بخلق الجبال والأنهار والطرقات وعلامات الاهتداء في السير . وسيأتي تفصيله .
والباء في قوله ( بالحق ) للملابسة . وهي متعلقة ب ( خلق ) إذ الخلق هو الملابس للحق .
والحق : هنا ضد العبث فهو هنا بمعنى الحكمة والجد ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لعبين ما خلقناها إلا بالحق ) . وقوله تعالى ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ) . والحق والصدق يطلقان وصفين لكمال الشيء في نوعه .
وجملة ( تعالى عما يشركون ) معترضة .
وقرأ حمزة والكسائي وخلف ( تعالى عما تشركون ) بمثناة فوقية .
( خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين [ 4 ] ) استئناف بياني أيضا . وهو استدلال آخر على انفراده تعالى بالإلهية ووحدانيته فيها . وذلك أنه بعد أن استدل عليهم بخلق العوالم العليا والسفلى وهي مشاهدة لديهم انتقل إلى الاستدلال عليهم بخلق أنفسهم المعلوم لهم . وأيضا لما استدل على وحدانيته بخلق أعظم الأشياء المعلومة لهم استدل عليهم أيضا بخلق أعجب الأشياء للمتأمل وهو الإنسان في طرفي أطواره من كونه نطفة مهينة إلى كونه عاقلا فصيحا مبينا بمقاصده وعلومه .
وتعريف ( الإنسان ) للعهد الذهني وهو تعريف الجنس أي خلق الجنس المعلوم الذي تدعونه بالإنسان .
وقد ذكر للاعتبار بخلق الإنسان ثلاثة اعتبارات : جنسه المعلوم بماهيته وخواصه من الحيوانية والناطقية وحسن القوام وبقية أحوال كونه ومبدأ خلقه وهو النطفة التي هي أمهن شيء نشأ منها أشرف نوع ومنتهى ما شرفه به وهو العقل . وذلك في جملتين وشبه جملة ( خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) .
والخصيم من صيغ المبالغة أي كثير الخصام .
و ( مبين ) خبر ثان عن ضمير ( فإذا هو ) أي فإذا هو متكلم مفصح عما في ضميره ومراده بالحق أو بالباطل والمنطبق بأنواع الحجة حتى السفسطة .
والمراد : الخصام في إثبات الشركاء وإبطال الوحدانية وتكذيب من يدعون إلى التوحيد كما دل عليه قوله تعالى في سورة يس ( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم ) .
والإنسان بحرف ( إذا ) المفاجأة استعارة تبعية . استعير الحرف الدال على معنى المفاجأة لمعنى ترتب الشيء على غير ما يظن أن يترتب عليه . وهذا معنى لم يوضع له حرف . ولا مفاجأة بالحقيقة هنا لأن الله لم يفاجأه ذلك ولا فجأ أحدا ولكن المعنى أنه بحيث لو تدبر الناظر في خلق الإنسان لترقب منه الاعتراف بوحدانية خالقه وبقدرته على إعادة خلقه فإذا سمع منه الإشراك والمجادلة في إبطال الوحدانية وفي إنكار البعث كان كمن فجأه ذلك . ولما كان حرف المفاجأة يدل على حصول الفجأة للمتكلم به تعين أن تكون المفاجأة استعارة تبعية .
فإقحام حرف المفاجأة جعل الكلام مفهما أمرين هما : التعجيب من تطور الإنسان من أمهن حالة إلى أبدع حالة وهي حالة الخصومة والإبانة الناشئتين عن التفكير والتعقل والدلالة على كفرانه النعمة وصرفه ما أنعم به عليه في عصيان المنعم عليه . فالجملة في حد ذاتها تنويه وبضميمة حرف المفاجأة أدمجت مع التنويه التعجيب . ولو قيل : فهو خصيم أو فكان خصيما لم يحصل هذا المعنى البليغ .
( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون [ 5 ] ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون [ 6 ] وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم [ 7 ] ) A E