والأيمان تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) في سورة البقرة .
وجملة ( لئن جاءتهم آية ) إلخ مبينة لجملة ( وأقسموا بالله ) .
واللام في ( لئن جاءتهم آية ) موطئة للقسم لأنها تدل على أن الشرط قد جعل شرطا في القسم فتدل على قسم محذوف غالبا وقد جاءت هنا مع قعل القسم لأنها صارت ملازمة للشرط الواقع جوابا للقسم فلم تنفك عنه مع وجود فعل القسم . واللام في ( ليؤمنن بها ) لام القسم أي لام جوابه .
والمرا بالآية ما اقترحوه على الرسول صلى الله عليه وسلم يعنون بها خارق عادة تدل على أن الله أجاب مقترحهم ليصدق رسوله عليه الصلاة والسلام فلذلك نكرت ( آية ) يعني : أية آية كانت من جنس ما تنحصر فيه الآيات في زعمهم .
ومجيء الآية مستعار لظهورها لأن الشيء الظاهر يشبه حضور الغائب فلذلك يستعار له المجيء .
وتقدم بيان معنى الآية واشتقاقها عند قوله تعالى ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) في سورة البقرة .
ومعنى كون الآيات عند الله أن الآيات من آثار قدرة الله وإرادته فأسباب إيجاد الآيات من صفاته فهو قادر عليها فلأجل ذلك شبهت بالأمور المدخرة عنده وأنه إذا شاء إبرزها للناس فكلمة ( عند ) هنا مجاز . استعمل اسم المكان الشديد القرب في معنى الاستبداد والاستئثار مجازا مرسلا لأن الاستئثار من لوازم حالة المكان الشديد القرب عرفا كقوله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب ) .
والحصر ب ( أنما ) رد على المشركين ظنهم بأن الآيات في مقدور النبي صلى الله عليه وسلم إن كان نبيئا فجعلوا عدم إجابة النبي صلى الله عليه وسلم اقتراحهم آية أمارة على انتفاء نبوءته فأمره الله أن يجيب بأن الآيات عند الله لا عند الرسول عليه الصلاة والسلام والله أعلم بما يظهره من الآيات .
وقوله ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) قرأ الأكثر ( أنها ) بفتح همزة ( أن ) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وخلف وأبو بكر عن عاصم في إحدى روايتين عن ابي بكر بكسر همزة ( إن ) .
وقرأ الجمهور ( لا يؤمنون ) بياء الغيبة . وقرأه ابن عامر وحمزة وخلف بتاء الخطاب وعليه فالخطاب للمشركين .
وهذه الجملة عقبة حيرة للمفسرين في الإبانة عن معناها ونظمها ولنأت على ما لاح لنا في موقعها ونظمها وتفسير معناها ثم نعقبه بأقوال المفسرين . فالذي يلوح لي أن الجملة يجوز أن تكون الواو فيها واو العطف وأن تكون واو الحال .
فأما وجه كونها واو العطف فأن تكون معطوفة على جملة ( إنما الآيات عند الله ) كلام مستقل وهي كلام مستقل وجهه الله إلى المؤمنين وليست من القول المأمور به النبي عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى ( قل إنما الآيات عند الله ) .
والمخاطب ب ( يشعركم ) الأظهر أنه الرسول E والمؤمنون وذلك على قراءة الجمهور قوله ( لا يؤمنون ) بياء الغيبة . والمخاطب ب ( يشعركم ) المشركون على قراءة ابن عامر وحمزة وخلف ( لا تؤمنون ) بتاء الخطاب وتكون جملة ( وما يشعركم ) من جملة ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله في قوله تعالى ( قل إنما الآيات عند الله ) .
( وإما ) استفهامية مستعملة في التشكيك والإيقاظ لئلا يغرهم قسم المشركين ولا تروج عليهم ترهاتهم فإن كان الخطاب للمسلمين فليس في الاستفهام شيء من الإنكار ولا التوبيخ ولا التغليظ إذ ليس في سياق الكلام ولا في حال المسلمين فيما يؤثر من الأخبار ما يقتضي إرادة توبيخهم ولا تغليظهم إذ لم يثبت أن المسلمين طمعوا في حصول إيمان المشركين أو أن يجابوا إلى إظهار آية حسب مقترحهم وكيف والمسلمون يقرأون قوله تعالى ( إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ) وهي في سورة يونس وهي نازلة قبل سورة الأنعام وقد عرف المسلمون كذب المشركين في الدين وتلونهم في اختلاق المعاذير . والمقصود من الكلام تحقيق ذلك عند المسلمين وسيق الخبر بصيغة الاستفهام لأن الاستفهام من شأنه أن يهئ نفس السامع لطلب جواب ذلك الاستفهام فيتأهب لوعي ما يرد بعده .
A E