وفلق الإصباح استعارة لظهور الضياء في ظلمة الليل فشبه ذلك بفلق الظلمة عن الضياء كما استعير لذلك أيضا السلخ في قوله تعالى ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) . فإضافة ( فالق ) إلى ( الإصباح ) حقيقية وهي لأدنى ملابسة على سبيل المجاز . وسنبينه في الآية الآتية لأن اسم الفاعل له شائبة الاسمية فيضاف إضافة حقيقية وله شائبة فعلية فيضاف إضافة لفظية . وهو هنا لما كان دالا على وصف في الماضي ضعف شبهه بالفعل لأنه إنما يشبه المضارع في الوزن وزمن الحال أو الاستقبال . وقد يعتبر فيه المفعولية على التوسع فحذف حرف الجر أي فالق عن الإصباح فانتصب على نزع الخافض ولذلك سموا الصبح فلقا بفتحتين بزنة ما بمعنى المفعول كما قالوا مسكن أي مسكون إليه فتكون الإضافة على هذا لفظية بالتأويل وليست إضافته من إضافة الوصف إلى معموله إذ ليس الإصباح مفعول الفلق والمعنى فالق عن الإصباح فيعلم أن المفلوق هو الليل ولذلك فسروه فالق ظلمة الإصباح أي الظلمة التي يعقبها الصبح وهي ظلمة الغبش فإن فلق الليل عن الصبح أبدع في مظهر القدرة وأدخل في المنة بالنعمة لأن الظلمة عدم والنور وجود . والإيجاد هو مظهر القدرة ولا يكون العدم ومظهرا للقدرة إلا إذا تسلط على موجود وهو الإعدام وفلق الإصباح نعمة أيضا على الناس لينتفعوا بحياتهم واكتسابهم .
( وجاعل الليل سكنا ) عطف على ( فالق الإصباح ) .
وقرأه الجمهور بصيغة اسم الفاعل وجر ( الليل ) لمناسبة الوصفين في الاسمية والإضافة . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف . ( وجعل ) بصيغة فعل المضي وبنصب ( الليل ) .
وعبر في جانب الليل بمادة الجعل لأن الظلمة عدم فتعلق القدرة فيها هو تعلقها بإزالة ما يمنع تلك الظلمة من الأنوار العارضة للأفق . والمعنى أن الله فلق الإصباح بقدرته نعمة منه على الموجودات ولم يجعل النور مستمرا في الأفق فجعله عارضا مجزءا أوقاتا لتعود الظلمة إلى الأفق رحمة منه بالموجودات ليسكنوا بعد النصب والعمل فيستجموا راحتهم .
والسكن بالتحريك على زنة مرادف اسم المفعول مثل الفلق على اعتباره مفعولا بالتوسع بحذف حرف الجر وهو ما يسكن إليه أي تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب والسكون فيه مجاز . وتسمى الزوجة سكنا والبيت سكنا قال تعالى ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) فمعنى جعل الليل سكنا أنه جعل لتحصل فيه راحة النفس من تعب العمل .
وعطف ( الشمس والقمر ) على ( الليل ) بالنصب رعيا لمحل الليل لأنه في محل المفعول ل ( جاعل ) بناء على الإضافة اللفظية . والعطف على المحل شائع في مواضع من كلام العرب مثل رفع المعطوف على اسم ( إن ) ونصب المعطوف على خبر ليس المجرور بالباء .
والحسبان في الأصل مصدر حسب بفتح السين كالغفران والشكران والكفران أي جعلها حسابا أي علامة حساب للناس يحسبون بحركاتها أوقات الليل والنهار والشهور والفصول والأعوام . وهذه منة على الناس وتذكير بمظهر العلم والقدرة ولذلك جعل للشمس حسبان كما جعل للقمر لأن كثيرا من الأمم يحسبون شهورهم وأعوامهم بحساب سير الشمس بحلولها في البروج وبتمام دورتها فيها . والعرب يحسبون بسير القمر في منازله . وهو الذي جاء به الإسلام وكان العرب في الجاهلية يجعلون الكبس لتحويل السنة إلى فصول متماثلة فموقع المنة أعم من الاعتبار الشرعي في حساب الأشهر والأعوام بالقمري وإنما استقام ذلك للناس بجعل الله حركات الشمس والقمر على نظام واحد لا يختلف وذلك من أعظم دلائل علم الله وقدرته وهذا بحسب ما يظهر للناس منه ولو اطلعوا على أسرار ذلك النظام البديع لكانت العبرة به أعظم .
والإخبار عنهما بالمصدر إسناد مجازي لأنه في معنى اسم الفاعل أي حاسبين . والحاسب هم الناس بسبب الشمس والقمر .
والإشارة ب ( ذلك ) إلى الجعل المأخوذ من ( جاعل ) .
والإشارة ب ( ذلك ) إلى الجعل المأخوذ من ( جاعل ) .
والتقدير : وضع الأشياء على قدر معلوم كقوله تعالى ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) .
والعزيز : الغالب القاهر والله هو العزيز حقا لأنه لا تتعاصى عن قدرته الكائنات كلها . والعليم مبالغة في العلم لأن وضع الأشياء على النظام البديع لا يصدر إلا عن عالم عظيم العلم .
A E