وعطف على ( يخرج الحي من الميت ) قوله ( ومخرج الميت من الحي ) لأنه إخبار بضد مضمون ( يخرج الحي من الميت ) وصنع آخر عجيب دال على كمال القدرة وناف تصرف الطبيعة بالخلق لأن الفعل الصادر من العالم المختار يكون على أحوال متضادة بخلاف الفعل المتولد عن سبب طبعي وفي هذا الخبر تكملة بيان لما أجمله قوله ( فالق الحب والنوى ) لأن فلق الحب عن النبات والنوى عن الشجر يشمل أحوالا مجملة منها حال إثمار النبات والشجر : حبا ييبس وهو في قصب نباته فلا تكون فيه حياة ونوى في باطن الثمار يبسا لا حياة فيه كنوى الزيتون والتمر ويزيد على ذلك البيان بإخراج البيض واللبن والمسك واللؤلؤ وحجر " البازهر " من بواطن الحيوان الحي فظهر صدور الضدين عن القدرة الإلهية تمام الظهور .
وقد رجح عطف هذا الخبر لأنه كالتكملة لقوله ( يخرج الحي من الميت ) أي يفعل الأمرين معا كقوله بعده ( فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا ) . وجعله في الكشاف عطفا على ( فالق الحب ) بناء على أن مضمون قوله ( مخرج الميت من الحي ) ليس فيه بيان لمضمون ( فالق الحب ) لأن فلق الحب ينشأ عنه إخراج الحي من الميت لا العكس وهو خلاف الظاهر لأن علاقة وصف ( مخرج الميت من الحي ) بخبر ( يخرج الحي من الميت ) أقوى من علاقته بخبر ( فالق الحب والنوى ) .
وقد جيء بجملة ( يخرج الحي من الميت ) فعلية للدلالة على أن ها الفعل يتجدد ويتكرر في كل آن فهو مراد معلوم وليس على سبيل المصادفة والاتفاق .
وجيء في قوله ( ومخرج الميت من الحي ) اسما للدلالة على الدوام والثبات فحصل بمجموع ذلك أن كلا الفعلين متجدد وثابت أي كثير وذاتي وذلك لأن أحد الإخراجين ليس أولى بالحكم من قرينه فكان في الأسلوب شبه الاحتباك .
والإشارة ب ( ذلكم ) لزيادة التمييز وللتعريض بغباوة المخاطبين المشركين لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه المنفرد بالإلهية أي ذلكم الفاعل الأفعال العظيمة من الفلق وإخراج الحي من الميت والميت من الحي هو الذي يعرفه الخلق باسمه العظيم على أنه الإله الواحد المقصور عليه وصف الإلهية فلا تعدلوا به في الإلهية غيره ولذلك عقب بالتفريع بالفاء قوله ( فأنى تؤفكون ) .
والأفك بفتح الهمزة مصدر أفكه يأفكه من باب ضرب إذا صرفه عن مكان أو عن عمل أي فكيف تصرفون عن توحيده .
و ( أنى ) بمعنى من أين . وهو استفهام تعجيبي إنكاري أي لا يوجد موجب يصرفكم عن توحيده . وبني فعل ( تؤفكون ) للمجهول لعدم تعين صارفهم عن توحيد الله وهو مجموع أشياء : وسوسة الشيطان وتضليل قادتهم وكبرائهم وهوى أنفسهم .
وجملة ( ذلكم الله ) مستأنفة مقصود منها الاعتبار فتكون جملة ( ذلكم الله فأنى تؤفكون ) اعتراضا .
و ( فالق الإصباح ) يجوز أن يكون خبرا رابعا عن اسم ( إن ) ويجوز أن يكون صفة لاسم الجلالة المخبر به عن اسم الإشارة فيكون قوله ( فأنى تؤفكون ) اعتراضا .
والإصباح بكسر الهمزة في الأصل مصدر أصبح الأفق إذا صار ذا صباح . وقد سمى به الصباح وهو ضياء الفجر فيقابل الليل وهو المراد هنا .
A E