يشهد العالم الإسلامي كل عام، بالتزامن مع ذكرى مولد النبي الأعظم (ص)، انعقاد أحد أبرز الفعاليات الفكرية والسياسية في مجال التقريب بين المذاهب الإسلامية، وهو المؤتمر الدولي للوحدة الإسلامية. وقد استطاع هذا المؤتمر، على مدى العقود الماضية، أن يجمع نخبة من العلماء والمفكرين والمثقفين والشخصيات السياسية والثقافية في العالم الإسلامي، وأن يضع قضية وحدة الأمة الإسلامية في صدارة النقاشات والحوارات الدولية. غير أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح اليوم، وبصورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، أمام هذه الفعالية، لم يعد هو: «لماذا تحظى الوحدة الإسلامية بهذه الأهمية؟»، وإنما أصبح: كيف يمكن نقل الوحدة من مجرد مفهوم خطابي ومناسبة سنوية إلى عملية حقيقية ومستدامة وقابلة للقياس؟
ويمكن للمؤتمر الأربعين للوحدة الإسلامية، الذي سيُعقد في شهر شهريور من هذا العام، ويتمحور حول أفكار وتراث القائد الشهيد للثورة الإسلامية، سماحة آية الله الشهيد السيد علي خامنئي، أن يشكل فرصة للإجابة الجادة عن هذا السؤال. ولا تكمن أهمية هذه الدورة في اختيار شخصية بعينها لتكون محوراً للمؤتمر فحسب، وإنما تكمن أهميتها الأساسية في أن التجربة العملية لعقود من القيادة، وإدارة الاختلافات، والتفاعل مع المذاهب الإسلامية، والرؤية الاستراتيجية للقائد الشهيد تجاه الوحدة، يمكن أن تشكل أساساً لإعادة تعريف مفهوم «التقريب» في ظل الظروف المستجدة التي يعيشها العالم الإسلامي.
الوحدة؛ من قيمة أخلاقية إلى استراتيجية للقوة
من الأخطاء الشائعة في أدبيات الوحدة أن تُطرح الوحدة الإسلامية باعتبارها مجرد فضيلة أخلاقية، أو توصية دينية، أو ضرورة اجتماعية. ولا شك في أن للوحدة هذه الأبعاد جميعاً، غير أن تجربة التحولات التي شهدتها المنطقة تثبت أن القضية تتجاوز ذلك بكثير.
فالوحدة في العالم الإسلامي تمثل أحد مكونات القوة؛ قوةً قادرة على تحويل الطاقات المتفرقة للمسلمين إلى قدرة جماعية متكاملة. وفي المقابل، فإن الخلافات المذهبية والقومية والسياسية، عندما تتجاوز حدود التباين الطبيعي وتتحول إلى صراع اجتماعي، تصبح من أبرز عوامل استنزاف قوة الأمة الإسلامية.
فالوحدة ليست مجرد وسيلة لإيجاد الهدوء والاستقرار الاجتماعي، بل ترتبط ارتباطاً مباشراً بـ الاقتدار، والاستمرارية، والمقاومة، والقدرة على الصمود في مواجهة العدو. ويمكن تحليل تجربة سيستان وبلوشستان في هذا الإطار؛ فهي منطقة ذات تنوع مذهبي وقومي وقبلي، ويمكن لهذا التنوع، بدلاً من أن يتحول إلى مصدر هشاشة، أن يصبح رصيداً لتعزيز التماسك الوطني والإسلامي.
ومن هذا المنظور، لم تعد الوحدة مجرد «موضوع ثقافي»، بل أصبحت جزءاً من هندسة الأمن والقوة ومستقبل العالم الإسلامي.
فكر القائد الشهيد في الوحدة؛ نموذج يتجاوز الخطاب
لا يمكن قياس أهمية القائد الشهيد في قضية الوحدة بمجرد عدد خطاباته أو رسائله أو مواقفه؛ إذ تكمن النقطة الأهم في العلاقة بين الفكر والممارسة.
وتبرز في هذا النهج القيادي مجموعة من العناصر، من بينها: مكارم الأخلاق، والمداراة، والتفاعل مع مختلف الجماعات والتيارات، والاهتمام بالحقوق المدنية لأهل السنة، ودعم نموهم العلمي والاقتصادي، والحساسية تجاه الإساءة إلى علماء المذاهب.
وتكشف هذه العناصر مجتمعة أن التقريب، في منطق القائد الشهيد، لم يكن يعني مجرد تقريب المواقف الكلامية بين المذاهب أو عقد الندوات العلمية، بل كان للتقريب معنى ومجال أيضاً على مستوى إدارة المجتمع.
فعندما يجري، من جهة، التأكيد على صيانة حرمة علماء أهل السنة، ومن جهة أخرى، التأكيد على توفير الظروف الملائمة لنموهم العلمي والاقتصادي والإداري، تنتقل الوحدة من مستوى «الخطاب عن الآخر» إلى مستوى «كيفية التعامل مع الآخر».
وهذه تحديداً هي النقطة التي يستطيع مؤتمر الوحدة اليوم أن ينطلق منها لإعادة تعريف مهمته.
المشكلة الراهنة؛ الانتقال من «المؤتمر» إلى «المسار»
إذا اقتصر مؤتمر الوحدة على الانعقاد لبضعة أيام، وإلقاء الكلمات، وتقديم البحوث، ثم إصدار بيان ختامي، فإن جانباً مهماً من طاقته وإمكاناته سيبقى معطلاً.
ينبغي لمؤتمر الوحدة أن يكون قادراً على الاستمرار بعد انتهاء أعماله.
وبعبارة أخرى، ينبغي ألا تكون كل دورة من دورات المؤتمر نقطة نهاية، بل نقطة انطلاق لـ«دورة متكاملة للعمل التقريبي»؛ تبدأ بتشخيص المشكلات، وتصل في المؤتمر إلى الحوار وتصميم الحلول، ثم تستمر بعده من خلال مشاريع محددة وقابلة للتنفيذ.
وبناءً على ذلك، يمكن اقتراح تحول جوهري في مقاربة المؤتمر الأربعين للوحدة الإسلامية:
من «مؤتمر حول الوحدة» إلى «مؤتمر لإنتاج الفعل الوحدوي».
قد يبدو هذا التغيير صغيراً في العبارة، لكنه كبير جداً في منطق الحوكمة الثقافية والتقريبية.
كيف يمكن تحويل المؤتمر إلى مسار عملي؟
تتمثل الخطوة الأولى في تحويل الموضوعات العامة إلى قضايا محددة في العالم الإسلامي. فبدلاً من الاكتفاء بالحديث عن ضرورة الوحدة، ينبغي تحديد المجالات التي يواجه فيها العالم الإسلامي مظاهر التفرقة، وتحديد الحلول العملية الممكنة لكل قضية.
ويمكن، على سبيل المثال، إدراج عدد من المحاور العملية في جدول أعمال المؤتمر:
1. شبكة العلماء التقريبيين
ينبغي ألا يكون المؤتمر مجرد مناسبة للقاء السنوي بين العلماء، بل ينبغي أن يعمل على إنشاء شبكة مستدامة من علماء الشيعة وأهل السنة، تضمن استمرار التواصل وتبادل الآراء والتعاون المشترك بينهم على مدار العام. ويمكن لهذه الشبكة، عند نشوء أزمات مذهبية أو قومية أو سياسية، أن تؤدي دور «منظومة للوقاية من التوترات وإدارتها».
2. منظومة رصد التوترات المذهبية ومواجهتها
يُنتج اليوم جزء مهم من الخلافات المذهبية ويُعاد إنتاجه في الفضاء الرقمي. ولذلك لا يمكن للعمل التقريبي أن يقتصر على المجال التقليدي.
ويمكن أن يكون إنشاء منظومة مشتركة للرصد، بهدف اكتشاف اتجاهات خطاب الكراهية المذهبية، والشائعات، والتحريفات، والتحريضات القومية، والمضامين المناهضة للتقريب، أحد المخرجات العملية للمؤتمر.
3. الدبلوماسية النخبوية بين المذاهب
ينبغي ربط الجامعات والحوزات العلمية والمراكز البحثية والمؤسسات العلمية الشيعية والسنية من خلال مشاريع مشتركة. فإنتاج المعرفة المشتركة، وتنظيم البرامج التدريبية، وتبادل الأساتذة والباحثين، ونشر الأعمال العلمية المشتركة، كلها أمور تنقل الوحدة من مجال الشعارات إلى مجال إنتاج المعرفة.
4. ميثاق السلوك التقريبي
من الاحتياجات الملحة في العالم الإسلامي تحويل المبادئ العامة للوحدة إلى مجموعة من القواعد السلوكية الواضحة.
ويمكن أن تُدرج مبادئ مثل صيانة حرمة مقدسات المذاهب وشخصياتها، وتجنب الخطاب المهين، والامتناع عن إثارة الخلافات التاريخية، والإدارة المسؤولة للمنبر والإعلام، ومواجهة الإساءة إلى علماء المذاهب، في إطار «ميثاق للسلوك التقريبي»، على أن يُصاغ ويُعتمد بمشاركة علماء مختلف المذاهب.
وتكشف التجربة التي نُقلت بشأن سرعة الاستجابة للإساءة إلى أحد علماء أهل السنة، في سياق الحديث عن القائد الشهيد، أن صيانة حرمة الشخصيات الدينية يمكن أن تكون أحد المؤشرات العملية للوحدة، لا مجرد توصية أخلاقية.
5. العدالة والتنمية بوصفهما بنية تحتية للتقريب
من أبرز جوانب التجربة الإدارية للقائد الشهيد اهتمامه بالنمو الشامل لأهل السنة. وهذه المسألة تتجاوز بكثير حدود الموقف الرمزي.
فإذا أُريد للوحدة أن تترسخ في المجتمع، فلا بد أن يختبرها أبناء المذاهب المختلفة في حياتهم اليومية والواقعية؛ في التعليم، والاقتصاد، والإدارة، والفرص الاجتماعية، والمشاركة العامة، والحقوق المدنية.
ومن ثم، فإن التقريب لا يتحقق بمجرد إنتاج المحتوى التقريبي، بل يحتاج أيضاً إلى العدالة، وتكافؤ الفرص، والمشاركة الحقيقية.
تراث القائد الشهيد؛ من «الشخصية» إلى «المدرسة»
من الآفات المحتملة للمؤتمرات التي تُعقد حول الشخصيات الكبرى أن يتحول الموضوع إلى مجموعة من الذكريات والتكريمات والخطابات الوصفية.
أما إذا كان المؤتمر الأربعون للوحدة الإسلامية سيُعقد حول محور القائد الشهيد، فينبغي الانتقال من «الشخصية» إلى «المدرسة والنموذج».
ولا ينبغي أن يكون السؤال الرئيس مجرد: ماذا قال القائد الشهيد بشأن الوحدة؟ بل ينبغي أن يُطرح السؤال الآتي:
كيف حوّل القائد الشهيد الوحدة إلى ممارسة في إدارة المجتمع؟
كيف كان يتعامل مع المعارضين والمنتقدين؟
كيف كان يحقق التفاعل بين مختلف الفئات الاجتماعية؟
كيف كان يولي حقوق أهل السنة وكرامتهم اهتماماً؟
كيف كان يحول دون تحول الخلافات المذهبية إلى أزمات اجتماعية؟
وكيف كان يجعل الوحدة مكوناً من مكونات القوة والأمن الوطني والإسلامي؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تستخرج من الأقوال والذكريات نموذجاً قابلاً للاستفادة منه في واقعنا الراهن.
ينبغي أن تكون لمؤتمر الوحدة «مخرجات»
لا يتمثل أحد أهم مؤشرات نجاح أي مؤتمر في عدد المتحدثين، أو الدول المشاركة، أو البحوث المقدمة، وإنما ينبغي أن يُطرح السؤال:
ماذا تغير بعد انتهاء المؤتمر؟
إذا استطاع المؤتمر إطلاق عدد من المشاريع التقريبية المحددة، وإنشاء شبكات علمية واجتماعية مستدامة، وتشخيص عدد من المشكلات الواقعية وتقديم حلول لها، وإقامة أشكال من التعاون المشترك بين المراكز الشيعية والسنية، وإنشاء آلية لمتابعة مقرراته، فعندئذ يمكن القول إن المؤتمر انتقل من مجرد فعالية إلى مؤسسة فاعلة ومؤثرة.
وبناءً على ذلك، يُقترح أن تكون لكل دورة من دورات المؤتمر «خريطة عمل تقريبية» تتضمن أهدافاً محددة، ومسؤوليات واضحة، وجدولاً زمنياً، ومؤشرات للتقييم، وتقريراً عن الأداء.
وعندئذ يمكن لمؤتمر الوحدة أن يخرج من دورة «انعقاد ـ خطاب ـ بيان ـ انتهاء»، وينتقل إلى دورة جديدة:
تشخيص المشكلة ← الحوار ← تصميم الحلول ← اعتماد المشروع ← التنفيذ ← التقييم ← التقرير العام
وهذه هي النقطة التي يمكن عندها تحويل «الوحدة» إلى سياسة عامة ومسار اجتماعي.
من سيستان وبلوشستان إلى العالم الإسلامي
تكتسب تجربة سيستان وبلوشستان في هذا السياق أهمية خاصة؛ فهي تُظهر أن التنوع المذهبي والقومي لا يعني بالضرورة وجود الانقسام والصراع. فإذا بُنيت السياسات على أساس الاحترام والعدالة والمشاركة والتفاعل وصيانة كرامة الإنسان، فإن هذا التنوع ذاته يمكن أن يتحول إلى رصيد من أرصدة رأس المال الاجتماعي.
ويمكن إعادة قراءة هذه التجربة على مستوى العالم الإسلامي أيضاً.
فالعالم الإسلامي ليس كياناً متجانساً؛ بل هو مجموعة من المذاهب والقوميات واللغات والثقافات والتقاليد التاريخية المتنوعة. ومن ثم، لا ينبغي تعريف الوحدة الإسلامية بأنها تعني إلغاء الاختلافات. فالوحدة المستدامة هي الوحدة التي تدير الاختلافات وتجمعها ضمن أفق مشترك.
ولعل هذا من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة القائد الشهيد لمستقبل التقريب: فالوحدة لا تتشكل من خلال إنكار الاختلاف، وإنما من خلال الإدارة الذكية للاختلافات في إطار المصالح والقيم المشتركة.
المؤتمر الأربعون؛ فرصة لصنع نقطة تحول
يمكن للدورة الأربعين من مؤتمر الوحدة الإسلامية ألا تكون مجرد دورة أخرى من دورات هذا الحدث، بل يمكنها أن تشكل نقطة تحول في تاريخ مسيرة التقريب، شريطة ألا تقتصر محورية القائد الشهيد على أن تكون موضوعاً للخطب والتكريم.
فإذا تحولت أفكار القائد الشهيد حول الأخلاق، والمداراة، والتفاعل، والعدالة، وكرامة المذاهب، وإدارة الاختلاف، والربط بين الوحدة والقوة والمقاومة، إلى مجموعة من السياسات والبرامج التنفيذية، فعندئذ يمكن للمؤتمر أن يؤكد أنه وظّف تراثه الفكري في بناء المستقبل.
أما إذا لم يتحقق ذلك، فسيظل خطر بقاء حتى أهم الأفكار حبيسة دائرة المؤتمرات والخطابات قائماً.
إن العالم الإسلامي اليوم، أكثر من حاجته إلى إعادة إنتاج الأدبيات التي تتحدث عن ضرورة الوحدة، بحاجة إلى آليات لتحقيق الوحدة؛ إلى شبكات تدير الأزمات قبل تحولها إلى نزاعات، وإلى علماء يكونون، جنباً إلى جنب، مرجعية للثقة العامة، وإلى وسائل إعلام تسهم، بدلاً من إثارة المشاعر المذهبية، في تعزيز التعايش، وإلى مراكز علمية تنتج المعرفة المشتركة، وإلى سياسات تحول العدالة والمشاركة إلى واقع اجتماعي.
ومن هذا المنظور، فإن أكبر تكريم للقائد الشهيد لا يتمثل في تكرار أقواله حول الوحدة، بل في مواصلة منطقه العملي في بناء مجتمع لا يتحول فيه الاختلاف المذهبي إلى عداوة.
ويمكن للمؤتمر الأربعين للوحدة الإسلامية أن يكون بداية لهذه المرحلة؛ مرحلة تصبح فيها «الوحدة» لا مجرد موضوع للحوار، بل مشروعاً للعمل.
ولعل بالإمكان تلخيص المهمة المستقبلية للمؤتمر في جملة واحدة:
ينبغي لمؤتمر الوحدة أن يتحول من ملتقى للحوار حول الوحدة إلى مركز لتصميم ومتابعة المبادرات الوحدوية في العالم الإسلامي.
وهذا هو المسار الذي يمكن أن يحوّل تراث القائد الشهيد من ذاكرة تاريخية إلى رصيد استراتيجي لمستقبل العالم الإسلامي.
أميد علي بور
رئيس تحرير المواقع الإلكترونية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
ارسال نظر