[64] الجو خفف جمسه وادمج خلقه فاقتصر به من القوائم الاربع على اثنتين، ومن الاصابع الخمس على أربع، ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما، ثم خلق ذاجؤجؤ محدد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه كما جعل السفينة بهذه الهيئة لتشق الماء وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران، وكسي كله الريش ليداخله الهواء فيقله، ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه الاسنان وخلق له منقار صلب جاس تيناول به طعمه فلا ينسجح من لقط الحب ولا يتقصف من نهش اللحم، ولما عدم الاسنان وصار يزدرد الحب (1) صحيحا واللحم غريضا اعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغنى به عن المضغ. واعتبر ذلك بأن عجم العنب وغيره يخرج من أجواف الانس صحيحا ويطحن في أجواف الطير، لا يرى له أثر، ثم جعل مما يبيض بيضا ولا يلده ولادة لكيلا يثقل عن الطيران، فانه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لاثقلته وعاقته عن النهوض والطيران، فجعل كل شئ من خلقه مشاكلا للامر الذي قدر أن يكون عليه، ثم صار الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه اسبوعا وبعضها اسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء، ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به، فمن كلفه أن يلقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه ؟ ولاي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي، روية ولا تفكر ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العز والرفد (2) وبقاء الذكر ؟ فهذا من فعل يشهد (3) بأنه معطوف على فراخه لعلة لا يعرفها ولا يفكر فيها وهي دوام النسل وبقاؤه لطفا من الله تعالى ذكره. ________________________________________ (1) أي يبتلعه. (2) في كتاب التوحيد من البحار: " فهذا هو فعل يشهد " وفي نسخة: فهذا من فعله يشهد. (3) الرفد: النصيب. المعاونة. * ________________________________________