[ 251 ] أقول: قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في شرح هذا الكلام: كلام أبي جعفر في النفس والروح ليس على مذهب التحقيق، فلو اقتصر على الاخبار ولم يتعاط ذكر معانيها كان أسلم له من الدخول في باب يضيق عنه سلوكه، ثم قال رحمه الله: النفس عبارة من معان: أحدها ذات الشئ، والآخر الدم السائل، والآخر النفس الذي هو الهواء، والرابع هو الهوى وميل الطبع، فأما شاهد المعنى الاول فهو قولهم: هذا نفس الشئ، أي ذاته وعينه، وشاهد الثاني قولهم: كلما كانت النفس سائلة فحكمه كذا وكذا، وشاهد الثالث قولهم: فلان هلكت نفسه إذا انقطع نفسه ولم يبق في جسمه هواء يخرج من حواسه، وشاهد الرابع قول الله تعالى: " إن النفس لامارة بالسوء " يعني الهوى داع إلى القبيح، وقد يعبر بالنفس عن النقمة، قال الله: " ويحذركم الله نفسه " يريد به نقمته وعقابه. (1) وأما الروح فعبارة عن معان: أحدها الحياة، والثاني القرآن، والثالث ملك من ملائكة الله، والرابع جبرئيل عليه السلام، فشاهد الاول قولهم: كل ذي روح فحكمه كذا، يريدون كل ذي حياة، وقولهم فيمن مات: قد خرجت منه الروح يعنون الحياة، وشاهد الثاني قوله تعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " يعني القرآن، وشاهد الثالث قوله: " يوم يقوم الروح والملائكة " وشاهد الرابع قوله ________________________________________ (1) وللنفس معنى آخر يستعمل كثيرا في الكتاب والسنة كقوله تعالى: " لا اقسم بالنفس اللوامة، ويا ايتها النفس المطئمنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " وقوله: " ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها " وقوله: " ونهى النفس عن الهوى " وكقول على عليه السلام: من عرف نفسه فقد عرف ربه. كما ان للروح معنى آخر كقوله تعالى: " يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربى " وقوله: " ونفخنا فيها من روحنا " وقوله: " ونفخت فيه من روحي " وهو الذى يسمى بالنفس الناطقة والروح الانساني وهو جوهر مجرد مدرك للكليات والمعقولات ومبدء لجميع الافاعيل الصادرة عن الانسان، ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، لكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وهو الذى يشير الانسان إليه بقوله: " انا " وعلى هذا المعنى استقر رأى الفلاسفة الاسلامية والحكماء الالهيين، واكثر المتكلمين من المذهب الاسلامية وسيجئ منه ايعاز إلى ذلك، واشارة إلى تجرده. ________________________________________