[ 119 ] كتاب أبى مسلم، أن يرجع ابن قحطبة ببعض عساكره إلى العراق، فيكون فيها حتى يأتيه أمره، فأتى صالح بن علي كتابه بأنه قد صير إليه الشام، وما وراءها إلى المغرب، ويأمره فيه ببعثه الجيوش في طلب مروان، فولى صالح بن على رجلا من الازد، يقال له أبو عون على مصر، وأمره بطلب مروان في أرض المغرب، وبعثه في عشرين ألفا، وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد نافر مروان بن محمد، وقاتله مرارا قبل أن يشتد أمر أبى مسلم، فسار إليه في أربعة آلاف، وذلك بعد خروج قحطبة من عند أبى مسلم، فنزل به سليمان، وكانت بينه وبين أبى العباس مودة قديمة، فبايع أبا مسلم على طاعة أبى العباس، فسر به أبو مسلم وشيعته، ثم سيره في طلب قحطبة ممدا له، وقد قاتل مروان قحطبة قبل قدوم سليمان بيومين، فلما نظر مروان إلى دخول سليمان ابن هاشم في عسكر قحطبة، وكثرة من جاء معه انهزم، فمضى سليمان مع حميد بن قحطبة في طلبه، ولم يكن مروان انهزم عنه غلبة، ولكنه كان نظر في كتب الحدثان، فوجد فيها أن طاعة المسودة (1) لا تجاوز الزاب (2)، فقال ذلك لوزرائه. فقيل له: إن بمصر زابا آخر. قال: فإليها نذهب إذا، والزاب الذى أراد علمه هو بأرض المغرب، فأقبل مروان وهو يريد مصر، فالتقت الخيل، فانهزمت خيل أبى عون، وأسر جماعتهم وصاحب أمرهم، فأتى مروان بالاسارى، فقال مروان لجماعته: شدوا أيديكم بالاسرى، فقد أجننا الليل، وبات مسرورا. فلما أصبح جعل يهنئ أصحابه للقاء القوم، فأقبل سليمان بن هشام، وأبو عون وكان مروان قد أرخى حبال الجسر، وتوسط أصحابه فيما هنالك وهم آمنون. فقال أبو عون للقبط (3): هل لهذا النهر من مخاضة، فقالوا له: ما علمنا ذلك، ولا بلغنا أن أحدا خاضه قط، فقطع عما قصد وأراد. فكتب إلى صالح بن علي بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بمراكب ساحل البحر عاجلا، فبينما هو في ذلك، إذ أتاه رجل من القبط فقال له: إن أبى كان يقرأ الكتاب، وكان يحدثنا بأمور تكون بعده، ويصف لنا موضعا يجعله الله لكم تخوض فيه الخيل عند تلك الامور، وقد اختبرت ذلك الليلة، فسر بذلك أبو عون، ثم بعث معه الخيل إلى ذلك الموضع، بعد أن وصله ووعده خيرا وكان مروان نظر إلى الرايات السود بناحية مصر، ونظر إلى الخيل تعدو النهر، ولا يشك أنهم لا يجدون سبيلا إلى عبوره، فلم ينشب أهل عسكر مروان أن نظروا إلى خيل أبى عون قد جاوزت النيل، فعبأ مروان أصحابه وأهل بيته، ثم خطبهم وحضهم على الصبر. ________________________________________ (1) المسودة: العباسيون لان شعارهم كان لبس الاسود (2) الزاب: نهر بالموصل ونهر بإربل ونهر بين سوراء وواسط، ولكنهم يطلقون الزاب هنا على مطلق النهر، بدليل قولهم إن بمصر زابا آخر وليس بمصر غير النيل (3) القبط: أهل مصر الاصليون. (*) ________________________________________