[ 102 ] فاغرورقت عيناه بالدموع. قال لهم: أوصيكم بتقوى الله العظيم، وليجل صغيركم كبيركم، وليرحم كبيركم صغيركم. ثم قال لمسلمة: يا أبا سعيد، إنما ولدى على أحد أمرين: إما عامل بطاعة الله فلن يضيعه الله، وإما عامل بمعصيته فلا أحب أن يعينه بالمال، قوموا عصمكم الله ووفقكم. ثم دعا رجاء بن حيوة فخلا به. فقال: يا رجاء، إن الموت قد نزل، وأنا أعهد إليك عهدا لا أعهده إلى غيرك: إذا أنا مت فكن ممن يقبرني، فإذا سويت علي اللبن (1)، فارجع لبنة، ثم اكشف عن وجهى وانظر إليه، فإني قبرت ثلاثة رجال بيدى، وكشفت عن وجوههم، فنظرت وجوههم قد اسودت، وعيونهم قد برزت من وجوههم، فاكشف عن وجهى يا رجاء وانظر إليه، فإن رأيت شيئا من هذا، فاستر علي، ولا تعلم به أحدا، وإن رأيت غير ذلك، فاحمد الله عليه. قال رجاء: ففعلت ذلك، فلما سوينا عليه اللبن، رفعت لبنة وكشفت وجهه، فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر، وإذا على صدره صك فيه خط ليس من كتابة الآدميين: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب بالقلم الجليل، من الله العزيز العليم، براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الاليم. ما علم به موت عمر رحمه الله في الامصار قال: وذكروا أن رجلا من أهل المدينة قال: وفد قوم من أهل المدينة إلى الشام، فنزلوا برجل في أوائل الشام موسع عليه، تروح عليه إبل كثيرة، وأبقار وأغنام، فنظروا إلى شئ لا يعلمونه، غير ما يعرفون من غضارة العيش، إذ أقبل بعض رعاته فقال: إن السبع عدا اليوم على غنمي، فذهب منها بشاة. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم جعل يأسف أسفا شديدا فقلنا بعضنا لبعض: ما عند هذا خير، يتأسف ويتوجع من شاة أكلها السبع !، فكلمه بعض القوم. قال له: إن الله تعالى قد وسع عليك، فما هذا التوجع والتأسف ؟ قال: إنه ليس مما ترون، ولكن أخشى أن يكون عمر بن عبد العزيز قد توفى الليلة، والله ما تعدى السبع على الشاة إلا لموته، فأثبتوا ذلك اليوم، فإذا عمر قد توفى في ذلك اليوم. وذكروا أنهم سمعوا رجلا يحدث ويقول: بينا رجل باليمن نائم على سطح له ذات ليلة، إذ تسور عليه كلب، فسمعه وهو يقول لهرة له: أي جنة، هل من شئ أصيبه، فإنى والله أكال ؟ فقالت له الهرة: ما ثم شئ، لقد غطوا الاناء، وأكفئوا الصفحة. فقال لها: هل تدنينى من يد صبى، أو قدر لم تغسل، أشمها لترتد لي روحي ؟ قالت الهرة: ما كنت لاخونهم ________________________________________ (1) اللبن: الطوب الاخضر غير المحروق (*) ________________________________________